نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
285
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
أرى ؟ قال يا ميمون يكفيك من دنياك ما بلغك المحل نحن اليوم ههنا وغدا في مكان آخر ، ثم خرجت وتركته : حدثنا أبو منصور بن عبد اللّه الفرائضي بسمرقند بإسناده عن قتادة رحمهم اللّه في قول اللّه عز وجل وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ قال قتادة : هذا صنيع مشركي العرب أخبرنا اللّه تعالى بخبث صنيعهم ، فأما المؤمن فهو حقيق أن يرضى بما قسم اللّه له ، وقضاء اللّه عز وجل خير من قضاء المرء لنفسه ، وما قضى اللّه لك يا ابن آدم مما تكره خير من قضائك بما تحب ، فاتق اللّه وارض بقضائه . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه تعالى : هذا القول موافق لقوله تعالى وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ يعني ما فيه صلاحكم وصلاح دينكم ودنياكم وأنتم لا تعلمون ذلك : يعني ارضوا بما قضيت لكم فإنكم لا تعلمون ما فيه صلاحكم . وقال بعض الحكماء : المنازل أربعة : عمرنا في الدنيا ومكثنا في القبر ، ومقامنا في الحشر ، ومصيرنا إلى الأبد الذي خلقنا له : فمثل عمرنا في الدنيا كمثل المتعشي في الحاج لا يطمئنون ولا يحلون الدواب والأثقال لسرعة الارتحال ، ومثل مكثنا في القبر كمثل النزول في بعض المنازل يضعون الأثقال ويستريحون يوما أو ليلة ثم يرتحلون ، ومثل مقامنا في الحشر كنزولهم بمكة وهو غاية الاجتماع لكل فريق من كل فجّ عميق يقضون النسك ثم يتفرّقون يمينا وشمالا ، كذلك يوم القيامة إذا فرغوا من المحاسبة افترقوا فرقا إلى الجنة وفرقا إلى السعير . وقال شقيق بن إبراهيم رحمه اللّه تعالى : سألت سبعمائة عالم عن خمسة أشياء فكلهم أجابوا بجواب واحد . قلت : من العاقل ؟ قالوا العاقل من لم يحب الدنيا . قلت من الغني ؟ قالوا الذي يرضى بما قسم اللّه له . قلت من الكيّس ؟ قالوا من لم تغره الدنيا . قلت من الفقيه ؟ قالوا الذي يمتنع من طلب الزيادة . قلت من البخيل ؟ قالوا الذي يمنع حق اللّه تعالى من ماله . ويقال : سخط اللّه تعالى على العبد في ثلاثة أشياء أحدها أن يقصر فيما أمر اللّه تعالى ، والثاني أن لا يرضى بما قسم اللّه تعالى له ، والثالث أن يطلب شيئا فلا يجده فيسخط على ربه . وقال بعض الحكماء في قول اللّه عز وجل وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما قال الفقهاء من سرق عشرة دراهم تقطع يده ، وليست لهذه العشرة حرمة حتى تقطع يد الرجل المؤمن لأجلها ، ولكن تقطع يده لمعنيين : أحدهما لهتك حرمة المسلمين ، والثاني لأنه لم يرض بما قسم اللّه تعالى له ومال إلى مال غيره فأمر اللّه تعالى أن تقطع يده نكالا بما كسب ليكون عبرة لغيره لكي يرضى بما قسم اللّه تعالى له . وينبغي للمؤمن أن يكون راضيا بما قسم اللّه تعالى له فإن الرضا بما قسم اللّه له من أخلاق الأنبياء والصالحين . وروي عن أبي الدرداء رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : اثنتا عشرة خصلة من أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام : أولها أنهم كانوا آمنين بوعد اللّه ، والثاني كانوا آيسين من الخلق ، والثالث كانت عداوتهم مع الشيطان ، والرابع كانوا مقبلين على أمر أنفسهم :