نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
281
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
يدخل في صدور الجن كما يدخل في صدور الإنس فيوسوس في صدورهم ، فإذا ذكر اللّه خنس وخرج من صدورهم . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « بعثت داعيا ومبلغا وليس إليّ من الهداية شيء ، وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء » يعني أنه يوسوس ويزين المعصية وليس بيده أكثر من ذلك ، فينبغي للعبد أن يجتهد في دفع الوسوسة عن نفسه ويجتهد في مخالفة عدوه لأن اللّه تعالى قال إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا وينبغي للعاقل أن يعرف صديقه من عدوه فيطيع صديقه ولا يتبع عدوه ، فإنه يقال علامة الجاهل أربعة أشياء : أحدها الغضب من غير شيء ، والثاني اتباع النفس في الباطن ، والثالث إنفاق المال في غير حق ، والرابع قلة معرفة صديقه من عدوه : يعني يختار طاعة الشيطان على طاعة اللّه تعالى فبئس البدل طاعة الشيطان على طاعة اللّه تعالى وقال تعالى أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا وعلامة العاقل أربعة أشياء : الحلم عن الجاهل ، ورد النفس عن الباطل ، وإنفاق المال في حقه ، ومعرفة صديقه من عدوه . وذكر عن وهب بن منبه رحمه اللّه تعالى أنه قال : إن إبليس لقي يحيى بن زكريا عليهما السّلام فقال له يحيى بن زكريا : أخبرني عن طبائع ابن آدم عندكم ؟ فقال إبليس أما صنف منهم فهو مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء ، والصنف الثاني فهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم وقد كفونا أنفسهم ، والصنف الثالث فهم أشد الأصناف علينا فنقبل على أحدهم حتى ندرك منه حاجتنا ثم يفزع إلى الاستغفار فيفسد به علينا ما أدركنا منه فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك حاجتنا منه . وقال بعض الحكماء : نظرت وتفكرت من أي باب يأتي الشيطان إلى الإنسان فإذا هو يأتي من عشرة أبواب : أولها يأتي من قبل الحرص وسوء الظن فقابلته بالثقة والقناعة ، فقلت بأي آية أتقوى عليه من كتاب اللّه تعالى فوجدت قول اللّه عز وجل وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها الآية ، فكسرته بذلك . والثاني نظرت فإذا هو يأتي من قبل الحياة وطول الأمل فقابلته بخوف مفاجأة الموت ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ فكسرته بذلك . والثالث نظرت فإذا هو يأتي من قبل طلب الراحة وطلب النعمة فقابلته بزوال النعمة وسوء الحساب ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قوله تعالى ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا الآية ، ويقول أَ فَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ الآية ، فكسرته بذلك . والرابع نظرت فإذا هو يأتي من باب العجب فقابلته بالمنة وخوف العاقبة ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فلا أدري من أي الفريقين أكون فكسرته بها . والخامس رأيته يأتي من باب الاستخفاف بالإخوان وقلة حرمتهم فقابلته بمعرفة حقهم وحرمتهم ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى في كتابه وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فكسرته بها . والسادس نظرت فإذا هو يأتي من باب الحسد فقابلته بالعدل وقسمة اللّه تعالى في خلقه ، فقلت بأي آية أتقوى عليه فوجدت قول اللّه تعالى نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فكسرته بها . والسابع نظرت فإذا هو يأتي من قبل الرياء ومدح الناس