نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
225
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
عَلى شاكِلَتِهِ يعني على نيته يعني صحة العمل بالنية . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « نية المؤمن خير من عمله قال بعض أهل العلم : إنما كان كذلك لأنه قد يثاب على نية الخير وإن لم يعمل ولا يثاب على عمله بلا نية . وقال بعضهم : نية المؤمن خير من عمله لطول نيته وقصر عمله ، لأنه ينوي أن يعمل الخير ما بقي ولا يستطيع أن يعمل الخير ما بقي . وقال بعضهم : لأن النية عمل القلب والقلب معدن المعرفة وما كان من معدن المعرفة كان أفضل من غيره . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يؤتى بالعبد يوم القيامة ومعه من الحسنات أمثال الجبال الرواسي فينادي مناد من كان له على فلان مظلما فليجيء فليأخذها ، فيجيء أناس فيأخذون من حسناته حتى لا يبقى له من الحسنات شيء ويبقى العبد حيران فيقول له ربه : إن لك عندي كنزا لم أطلع عليه ملائكتي ولا أحدا من خلقي ، فيقول يا رب ما هو ؟ فيقول بنيتك التي كنت تنوي من الخير كتبتها لك سبعين ضعفا » وروي في الخبر : أن عابدا من عباد بني إسرائيل مر بكثيب من الرمل فتمنى في نفسه لو كان دقيقا فأشبع به بني إسرائيل في مجاعة أصابتهم ، فأوحى اللّه تعالى إلى نبي فيهم : قل لهذا العابد أن اللّه تعالى يقول : إني قد أوجبت لك من الأجر ما لو كان دقيقا فتصدقت به . وروي في الخبر : « أنه يؤتى بالعبد يوم القيامة فيعطى كتابه بيمينه فيرى فيه الحج والعمرة والجهاد والزكاة والصدقة ، فيقول العبد في نفسه ما عملت من هذا شيئا وليس هذا كتابي ، فيقول اللّه تعالى اقرأ فإنه كتابك عشت دهرا وأنت تقول لو كان لي مال لحججت ولو كان لي مال لجاهدت وعرفت من نيتك أنك صادق فأعطيتك ثواب ذلك كله . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : إنما يظهر صدق نيته إذا لم يبخل بالقليل الذي عنده ، فلو رأى حاجا منقطعا فيقول في نفسه لو كان لي مال لحججت فلما لم يكن لي طاقة إلا هذين الدرهمين دفعتهما إلى هذا ، وإذا رأى غازيا منقطعا يقول لو كان لي مال لغزوت فلما لم يكن لي طاقة إلا هذه الدراهم دفعتها إلى هذا الغازي المحتاج أو إلى مسكين بجواره ، وأما إذا بخل بالقليل الذي عنده فيعلم اللّه تعالى أنه لو كان عنده أكثر من ذلك لكان يبخل بالكثير كما يبخل بالقليل فلا ثواب له في نيته ، وكذلك الذي يقول لو كنت حفظت القرآن لقرأته آناء الليل والنهار فإذا كان يقرأ السورة التي يحفظها فيعلم اللّه أنه لو كان يحفظ الباقي منه لكان يقرأ فيعطيه اللّه تعالى فضل الذي يحفظ القرآن كله وإن لم يقرأ ما عنده علم اللّه منه أن نيته غير صالحة . وروى سهل بن سعد الساعديّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « نية المؤمن خير من عمله ، وعمل المنافق خير من نيته ، وكل يعمل على نيته » وروى محمد بن عليّ عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من أحب رجلا في اللّه لعدل ظهر منه هو في علم اللّه من أهل النار آجره اللّه على حبه إياه كما لو أحب رجلا من أهل الجنة ، ومن أبغض رجلا في اللّه لجور ظهر منه وهو في علم اللّه من أهل الجنة آجره اللّه على بغضه إياه كما لو كان يبغض رجلا من أهل النار » وروي في الخبر أن اللّه تعالى قال لموسى عليه الصلاة والسّلام : يا موسى هل عملت لي عملا قط ؟