نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

218

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

وروي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على اللّه . ومن سره أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه ، ومن سره أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد اللّه أوثق منه بما في يده ، وذكر عن داود عليه الصلاة والسّلام أنه قال لابنه سليمان عليه الصلاة والسّلام : يا بني إنما يستدل على تقوى الرجل بثلاث : حسن التوكل فيما لم ينل ، وحسن الرضا فيما قد نال ، وحسن الصبر فيما قد فات . وذكر عن أبي مطيع البلخي أنه قال لحاتم الأصم رحمهما اللّه تعالى : بلغني أنك تجاوز المفاوز بالتوكل بغير زاد . قال : بل أجاوزها بالزاد . قال وما زادك ؟ قال زادي فيها أربعة أشياء . قال : وما هي ؟ قال أرى الدنيا بحذافيرها مملكة للّه ، وأرى الخلق كلهم عيال اللّه ، وأرى الأسباب والأرزاق كلها بيد اللّه ، وأرى قضاء اللّه نافذا في جميع خلقه . قال أبو مطيع : نعم الزاد زادك يا حاتم ، وإنك لتجاوز بها مفاوز الآخرة فكيف مفاوز الدنيا . وذكر أن رجلا جاء إلى شقيق الزاهد رحمه اللّه تعالى فقال له أوص ؟ فقال له شقيق احفظ ثلاثة أشياء : اعبد اللّه فإنه يثبتك وحارب عدو اللّه فإنه ينصرك ، وصدّقه بالوعد فإنه يأتي به إليك . وعن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال : لو أن أهل العلم صانوا علمهم وبذلوه لأهله لسادوا به أهل زمانهم ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا على أهلها ، سمعت نبيكم صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « من جعل الهموم هما واحدا يعني همّ آخرته كفاه اللّه ما أهمه من أمر دنياه ، ومن شغلته هموم أحوال الدنيا لم يبال اللّه تعالى في أي أودية النار أهلكه وأي أودية النار عذبه » ويقال مكتوب في التوراة : يا ابن آدم حرّك بدك أبسط لك في رزقك ، وأطعني فيما أمرتك ولا تعلمني ما يصلحك . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : قوام الإسلام بأربعة أركان : اليقين ، والعدل ، والصبر ، والجهاد . والعلماء فسروا هذه الأربعة أشياء فقالوا : أما اليقين فهو على وجهين : أحدهما أن يعمل للّه خالصا ولا يطلب به عرض الدنيا ولا رضا المخلوقين ، والثاني أن يكون آمنا بوعد اللّه وهو الرزق ، وأما العدل فهو على وجهين : أحدهما أنه لو كان عليه حق يؤديه قبل الطلب ، والثاني إذا كان له على غيره حق يرفق بطلبه . وأما الصبر فهو على وجهين : أحدهما أن يصبر على أداء فرائض اللّه تعالى ، والثاني أن يصبر عما نهاه اللّه تعالى عنه ، وأما الجهاد فهو على وجهين : أحدهما أن لا تغفل عن عدوك وهو الشيطان فإنك إن غفلت عنه فإنه لم يغفل عنك فهو كالذئب إذا وقع في الغنم فكل شاة غفلت عنه أخذها ، والثاني إن أكثر فتنة بني آدم لأجل المال فارض باليسير من المال لكيلا يغرك . وروي عن شقيق رحمه اللّه تعالى أنه قال لحاتم الأصم رحمه اللّه تعالى : منذ كم تختلف إليّ ؟ قال منذ ثلاثين سنة ، فقال له شقيق أي شيء تعلمت في هذه الثلاثين سنة ؟ قال : تعلمت ست كلمات فلو عملت بها لرجوت أن تنجيني من فتنة الدنيا ، فقال له شقيق أخبرني عن ذلك فلعلي أعمل بهن فأنجو بذلك ؟ فقال أما الأولى نظرت في قول اللّه تعالى وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا