نصر بن محمد السمرقندي الحنفي
188
تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )
الحسن أنه دخل على أبي عثمان النهدي يعوده وهو مريض فقيل لأبي عثمان يا أبا عثمان ادع اللّه بدعوات فقد بلغك في دعاء المريض ما قيل فيه . قال : فحمد اللّه وأثنى عليه وتلا آيات من كتاب اللّه تعالى وصلى على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم رفع يده ورفعنا أيدينا فدعا ، فلما وضعنا أيدينا قال : أبشروا فو اللّه لقد استجاب اللّه لكم ، فقال له الحسن أتأتلي على اللّه ؟ قال نعم يا حسن ، لو حدثتني بحديث لصدقتك فكيف لا أصدقه وهو يقول ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فلما خرجوا قال الحسن إنه لأفقه . وذكر أن موسى عليه السّلام سأل ربه فقال أيّ ساعة أدعوك يا رب فتستجيب لي فيها ؟ فقال أنت عبدي وأنا ربك فمتى دعوتني أستجب لك ، فعاوده مرارا فقال له ربه ، ادعني في كبد الليل ، فإني أستجيب وإن دعاني فيها عشار . وذكر أن رابعة العدوية خرجت إلى المقبرة فاستقبلها رجل فقال لها ادعي اللّه لي فقالت يرحمك اللّه أطع اللّه وادعه فإنه يجيب المضطر إذا دعاه وروى الأعمش عن مالك بن الحارث قال : « يقول اللّه تعالى من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين » وعن جعفر بن برقان عن صالح بن يسار قال : يقول اللّه تعالى « تدعونني وقلوبكم معرضة عني ، فباطل ما تذهبون » وقيل لبعض الحكماء إنا لندعو فلا يستجاب لنا وقد قال اللّه تعالى ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ قال لأن فيكم سبع خصال تمنع دعاءكم من السماء . قيل وما هن ؟ قال أوّلها أنكم أسخطتم ربكم ولم تطلبوا رضاه يعني إنكم تعملون أعمالا توجب عليكم السخط من اللّه بها ولم ترجعوا عن ذلك ولم تندموا على ما فعلتم . والثاني أنكم تقولون نحن عبيد اللّه ولا تعملون عمل العبيد : يعني أن العبد يعمل بما أمره سيده ولا يخرج عن أمره . والثالث أنكم تقرأون القرآن ولم تتعاهدوا حروفه : يعني لا تقرأون بالتفكر والتعظيم ولا تعملون بما أمر اللّه فيه . والرابع أنكم تقولون نحن أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ولم تعملوا بسنته : يعني أنكم تأكلون الحرام والشبهة ولا ترجعون عنهما . والخامس أنكم تقولون إن الدنيا عند اللّه لا تساوي جناح بعوضة وقد اطمأننتم إليها . والسادس أنكم تقولون إنها زائلة وأعمالكم أعمال المقيمين بها . والسابع أنكم تقولون إن الآخرة خير من الدنيا ولا تجتهدون في طلبها وتختارون الدنيا على الآخرة . ( قال الفقيه ) رحمه اللّه : ينبغي لمن دعا اللّه أن يكون بطنه طاهرا من الحرام فإن الحرام يمنع الإجابة وقد روي عن سعد بن أبي وقاص رضي اللّه تعالى عنه أنه قال « يا رسول اللّه أدعو اللّه فلا يستجيب لي دعائي ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يا سعد اجتنب الحرام فإن كل بطن دخل فيه لقمة من حرام لا يستجاب دعاؤه أربعين » وينبغي لمن دعا أن لا يستعجل لأن الداعي إذا دعا الرب تبارك وتعالى أجابه الرب عز وجل البتة وربما تتبين الإجابة من ساعته وربما تتبين في وقت آخر ، وربما تتبين في الآخرة ولا تتبين في الدنيا . وذكر في الخبر أن موسى عليه السّلام دعا على فرعون وقومه بالهلاك وأمن هارون عليه السّلام فأوحى اللّه تبارك وتعالى إليهما قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كان بين الدعاء وبين الإجابة أربعون سنة . وروى يزيد الرقاشي رضي اللّه تعالى عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إذا أحب اللّه عبدا ضرب وجهه بالبلاء كما تضرب الغريبة من الإبل عن حياض الماء