نصر بن محمد السمرقندي الحنفي

114

تنبيه الغافلين في الموعظة باحاديث سيد الانبياء والمرسلين ( ويليه بستان العارفين )

يتحول من الدنيا إلى الآخرة كيف يترك في الدنيا شيئا . ( قال الفقيه ) رضي اللّه تعالى عنه : من كان عاقلا فإنه يرضى بالقوت من الدنيا ولا يشتغل بالجمع ويشتغل بعمل الآخرة ، لأن الآخرة هي دار القرار ودار النعيم والدنيا دار فناء وهي غدارة مفتنة . وروى جويبر عن الضحاك قال : لما أهبط اللّه آدم وحوّاء إلى الأرض ووجدا ريح الدنيا وفقدا رائحة الجنة غشى عليهما أربعين صباحا من الدنيا . وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يعمل لدار الغرور » وروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنهما قال « شهدت مجلسا من مجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أتاه رجل أبيض الوجه حسن الشعر واللون عليه ثوب أبيض ، فقال السّلام عليك يا رسول اللّه ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعليك السّلام ورحمة اللّه ، فقال يا رسول اللّه : ما الدنيا ؟ قال : حلم المنام وأهلها مجازون ومعاقبون ، قال يا رسول اللّه وما الآخرة ؟ قال الأبد ، فريق في الجنة وفريق في السعير ، فقال يا رسول اللّه وما الجنة ؟ قال بدل الدنيا لتاركها نعيمها أبدا ، قال فما جهنم ؟ قال بدل الدنيا لطالبها لا يفارقها أهلها أبدا ، قال فمن خير هذه الأمة ؟ قال الذي يعمل فيها بطاعة اللّه تعالى ، قال فكيف يكون الرجل فيها ؟ قال مشمرا كطالب القافلة ، قال فكم القرار بها ؟ قال كقدر المتخلف عن القافلة ، قال فكم ما بين الدنيا والآخرة ؟ قال كغمضة عين ، قال فذهب الرجل فلم ير ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم هذا جبريل أتاكم ليزهدكم في الدنيا ويرغبكم في الآخرة » وذكر أن إبراهيم خليل الرحمن صلوات اللّه وسلامه عليه قيل له بأيّ شيء اتخذك اللّه خليلا ؟ قال بثلاثة أشياء ، أولها : ما خيرت بين أمرين إلا اخترت الذي للّه على غيره ، والثاني : ما اهتممت فيما تكفل اللّه لي في أمر رزقي ، والثالث : ما تغديت ولا تعشيت إلا مع الضيف . قال بعض الحكماء : حياة القلب في أربعة أشياء : العلم والرضا والقناعة والزهد ، فالعلم يرضيه وبالرضا يبلغ هذه الدرجة فإذا بلغ درجة الرضا وصل إلى القناعة وتوصله القناعة إلى الزهد وهو التهاون بالدنيا . قال : والزهد ثلاثة أشياء : أولها معرفة الدنيا ثم الترك لها ، والثاني خدمة المولى ثم الأدب فيها ، والثالث الشوق إلى الآخرة ثم الطلب لها . وعن يحيى بن معاذ الرازي قال : الحكمة تهوي من السماء إلى القلوب فلا تسكن في قلب فيه أربع خصال : الركون إلى الدنيا ، وهمّ غد ، وحسد أخ ، وحب شرف . وذكر أيضا عن يحيى قدّس اللّه تعالى روحه قال : العاقل المصيب من عمل ثلاثا ترك الدنيا قبل أن تتركه ، وبنى قبرا قبل أن يدخل فيه ، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه . وروي عن عليّ بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : من جمع ست خصال لم يدع للجنة مطلبا ولا عن النار مهربا : يعني لم يترك الجهد في طلب الجنة والهرب من النار . أوّلها عرف اللّه تعالى فأطاعه ، وعرف الشيطان فعصاه ، وعرف الحق فاتبعه ، وعرف الباطل فاتقاه ، وعرف الدنيا فرفضها ، وعرف الآخرة فطلبها . وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يا عليّ أربع خصال من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وحب الدنيا ، وبعد الأمل » وروي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « لو كانت الدنيا تزن