القاضي التنوخي

98

الفرج بعد الشدة

في وقعة كانت بينه وبينهم بنحو خمسين رجلا ، فأراد قتلهم قتلة يرهب بها من في القلعة . قال : وهي على جبل عظيم ، حياله بالقرب منه جبل آخر أعظم منه ، وعليه نزل أبو الفضل . فأمر بالأسارى ، فرمي بهم من رأس الجبل الذي عليه القلعة ، فيصل الواحد منهم إلى القرار قطعا ، قد قطّعته الأضراس الخارجة في الجبل والحجارة . ففعل ذلك [ 223 غ ] بجميعهم ، حتى بقي غلام حين بقل وجهه « 4 » ، فلمّا طرح وصل إلى الأرض سالما ، فما لحقه مكروه ، وقد تقطّع حبل كتافه ، فقام الغلام يمشي في قيده طالبا الخلاص . فكبّر الديلم ، وأهل عسكر أبي الفضل استعظاما للصورة ، وكبّر أهل القلعة . فاغتاظ أبو الفضل ، وأمر بردّ الغلام ، فنزل من جاء به ، فأمر أن يكتّف ويرمى ثانية . فسأله من حضر أن يعفو عن الغلام ، فلم يفعل ، وألحّوا عليه ، فحلف أنّه لا بدّ أن يطرحه ثانية ، فأمسكوا . وطرح الغلام ، فلمّا بلغ القرار قام يمشي سالما ، وارتفع من التكبير والتهليل أضعاف ما ارتفع أوّلا . فقال الحاضرون : هل بعد هذا شيء ؟ وسألوه العفو عنه ، وبكى بعضهم . فاستحى أبو الفضل وعجب ، وقال : ردّوه آمنا ، فردّوه . فأمر بقيوده ففكّت ، وبثياب فطرحت عليه ، وقال له : [ 214 ر ] أصدقني عن سريرتك مع اللّه - عزّ وجلّ - التي نجّاك بها هذه النجاة .

--> ( 4 ) بقل : ظهر وطلع ، وبقل وجه الغلام : نبت شعره .