القاضي التنوخي
54
الفرج بعد الشدة
383 سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة قال : وكان سبب رضا المنصور عن معن بن زائدة ، أنّه لم يزل مستترا ، حتى يوم الهاشميّة « 1 » ، ووثب القوم على المنصور « 2 » وكادوا يقتلونه ، فوثب معن وهو متلثّم ، وانتضى سيفه ، فقاتل ، وأبلى بلاء حسنا ، وذبّ القوم عنه ، والمنصور راكب على بغلة ولجامها بيد الربيع . فقال له : تنحّ ، فإنّي أحقّ بلجامها في هذا الوقت . فقال له المنصور : صدق ، ادفعه إليه ، فأخذه ، ولم يزل يقاتل ، حتى انكشفت تلك الحال . فقال له المنصور : من أنت للّه أبوك ؟ فقال : أنا طلبتك يا أمير المؤمنين ، معن بن زائدة . فقال : قد أمّنك اللّه على نفسك ومالك ، ومثلك يصطنع ، ثم أخذه معه ، وخلع عليه ، وحباه ، وقرّ به . ثم دعا به يوما ، فقال : إنّي قد أهّلتك لأمر ، فانظر كيف تكون فيه ؟ فقال : كما تحبّ يا أمير المؤمنين ، فولّاه اليمن ، وتوجّه إليها ، فبسط فيهم السيف ، حتى استووا .
--> ( 1 ) الهاشميّة : مدينة بناها أبو العبّاس السفّاح ، أوّل الخلفاء العبّاسيّين ، حيال قصر ابن هبيرة ، واتخذها حاضرة له ، ثمّ تركها وانتقل إلى الأنبار ، ومات بها ، ولمّا استخلف المنصور عاد إليها فنزلها ، وكان فيها لمّا ثار عليه الراوندية ، وفيها حبس عبد اللّه بن الحسن بن الحسن ومن كان معه من أهل بيته ، ثمّ بنى بغداد وانتقل إليها ، راجع معجم البلدان 4 / 946 . ( 2 ) هؤلاء القوم يسمّون : الراوندية ، وكانوا على رأي أبي مسلم الخراساني ، تحرّكوا على المنصور بعد قتل أبي مسلم ، فحبس المنصور منهم مائتي شخص من رؤسائهم ، فثاروا وأخرجوهم من الحبس ، فحاربهم المنصور ، ونصره العامّة والجند ، فاستعلى عليهم ، وقتلهم جميعا ( العيون والحدائق 3 / 227 و 228 ) .