القاضي التنوخي
428
الفرج بعد الشدة
فقالت : تعال ، حتى نأكل ونشرب ، ودع السؤال . وجلست وقدّم الطبق ، فأكلنا جميعا ، ثم جيء بالشراب ، واندفع الجواري بالغناء ، وأخذنا في الشراب ، وقد كاد عقلي يزول سرورا . فلمّا توسّطنا أمرنا ، قلت لها : يا ستّي ، أنت هجرتيني « 4 » بغير ذنب كبير أوجب ما بلغته من الهجران ، وترضّيتك بكل ما في المقدرة ، فما رضيت ، ثم تفضّلت ابتداء بالرجوع إلى وصالي بما لم تبلغه آمالي ، فعرّفيني ما سبب هذا ؟ قالت : كان الأمر في سبب الهجر ضعيفا كما قلت ، ولكن تداخلني من التجنّي ما يتداخل المحبوب ، ثم استمرّ بي اللجاج ، وأراني الشيطان أنّ الصواب فيما فعلته ، فأقمت على ما رأيت . فلمّا كان الساعة ، أخذت دفترا كان بين يديّ [ 2 / 175 ه ] وتصفّحته ، فوقعت عيني منه على قول الشاعر : العمر « 5 » أقصر مدّة * من أن يضيّع في الحساب فتغنّمي ساعاته * فمرورها مرّ السحاب قالت : فعلمت أنّها عظة لي ، وأنّ سبيلي أن لا أسخط اللّه عزّ وجلّ بإسخاط زوجي ، وأن لا أستعمل اللجاج ، فأسوءك ، وأسوء نفسي ، فجئتك لأترضّاك ، وأرضيتك . فانكببت على يديها ورجليها ، وصفا ما كان بيننا « 6 » .
--> ( 4 ) لا يزال التعبير البغدادي ، كما كان في القرن الرابع الهجري ، فالبغدادي ، لا يقول : هجرتني ، وإنّما يقول : هجرتيني ، ورميتيني ، وتركتيني ، وظلمتيني ، وعلى ذلك فقس . ( 5 ) في الأصل : الدهر . ( 6 ) لم ترد هذه القصّة في م ، ولا في ر ، ولا في غ ، وقد أثبتناها من ن ، وه .