القاضي التنوخي
420
الفرج بعد الشدة
فأخذت الكيس وشكرته ، وتشاغلنا بالشرب . فلمّا كان من الغد ، أتى رسول إسحاق بن إبراهيم الطاهري يطلبني ، فصرت إليه ، فاحتفى به ، وأكرمني ، وقال : ما ظننت أنّك توافي بلدا أحلّه ، فتنزل غير داري . فقلت : واللّه ، ما وافيت إلّا قاصدا الأمير ، ولكنّ دوابّي تأخّرت ، فتوقّعت ورودها ، لأصير إلى باب الأمير عليها . فدعا بكتب وردت من محمّد بن عبد الملك « 11 » ، وفيها كتاب من أمير المؤمنين المعتصم ، بولايتي دمشق ، وأراني كتابا يعلمه فيه ، ما جنى عليّ بن إسحاق من قتل رجاء بن [ أبي ] الضحّاك « 12 » بدمشق ، وأنّ أمير المؤمنين رأى تقليدك ، وطلبت بسرّ من رأى ، فذكر له أنّك انحدرت إلى إسحاق بن إبراهيم ، فأمر بتسليم كتبك إليّ ، ودفع مائة ألف دينار لك معونة على خروجك ، وأحضر المال ، ووكّل بي من يستحثّني على البدار . فورد عليّ من السرور ما أدهشني ، وودّعته ، وخرجت إلى محمّد بن الفضل ، فعرّفته ما جرى ، وودّعته أيضا ، وأخرجت دنانيره ، فرددتها عليه ، فحلف بأيمان غليظة عظيمة ، لا عادت إلى ملكه أبدا . وقال : إن جلست في عملك واتّسعت ، لم أمتنع أن أقبل منك غير هذا .
--> ( 11 ) أبو جعفر محمّد بن عبد الملك الزيّات ، وزير المعتصم : ترجمته في حاشية القصّة 66 من الكتاب . ( 12 ) رجاء بن أبي الضحّاك : ابن عم الفضل بن سهل ( الطبري 8 / 540 ) ووالد الحسن بن رجاء الكاتب ( الطبري 9 / 111 ) ، وكان من رجال الدّولة العبّاسيّة ، عهد إليه المأمون في السنة 200 بأن يسافر إلى المدينة وأن يحضر معه الإمام علي بن موسى الرضا ليعهد إليه بولاية العهد من بعده ( الطبري 8 / 544 وابن الأثير 6 / 389 ) وولّاه المعتصم الخراج بدمشق ، وكان على المعونة صول أرتكين ، خليفته علي بن إسحاق بن يحيى بن معاذ ، فوثب علي ، على رجاء فقتله ، في السنة 226 ، فاعتقل عليّ ، ومكث حينا محبوسا بسامراء ، وتظاهر بالجنون ، فأطلق ( الطبري 9 / 111 ) ، راجع في العقد الفريد 2 / 155 ما قاله سعيد بن سلم لما بلغه أنّ المأمون غضب على رجاء بن أبي الضحّاك وأمر بأخذ ماله .