القاضي التنوخي

367

الفرج بعد الشدة

فجلست يومي لا أرى من أعرف ، وخدم يدخلون ويخرجون ، وطعام عظيم ينقل ، وهم يقولون : الليلة تزفّ فلانة - اسم زوجتي - إلى زوجها ، ها هنا . فلمّا جاء الليل أثّر الجوع فيّ ، وأقفلت الأبواب ، وأيست من [ 252 م ] الجارية ، فبقيت أطوف [ 310 غ ] في الدار ، إلى أن وقعت على المطبخ ، فإذا قوم طبّاخون جلوس ، فاستطعمت منهم ، فلم يعرفوني ، وظنّوا أنّي بعض الوكلاء ، فقدّموا إليّ زير باجة ، فأكلت منها ، وغسلت يدي بأشنان « 25 » كان في المطبخ ، وأنا مستعجل لئلّا يفطن بي ، وظننت أنّي قد نقّيت من ريحها ، وعدت إلى مكاني . فلمّا انتصف الليل إذا بطبول ، وزمور ، والأبواب [ 280 ر ] تفتح ، وصاحبتي قد أهديت إليّ « 26 » ، وجاءوا بها فجلوها عليّ « 27 » ، وأنا أقدّر أن ذلك في النوم ، ولا أصدّق فرحا به ، وقد كادت مرارتي تنشقّ فرحا وسرورا ، ثم خلوت بها ، وانصرف الناس . فحين تقدّمت إليها وقبّلتها ، رفستني فرمت بي عن المنصّة ، وقالت : أنكرت أن تفلح يا عامّي ، أو تصلح يا سفلة « 28 » ، وقامت لتخرج . فتعلّقت بها ، وقبّلت يديها ورجليها ، وقلت : عرّفيني ذنبي ، واعملي بعده ما شئت .

--> ( 25 ) الأشنان : ويلفظ بكسر أوّله أو بضمّه ، أعواد صغيرة بيضاء أو صفراء ، تدقّ وتستعمل في تنقية الأيدي من الوضر ، ولها إذا بلّت بالماء رغوة مثل رغوة الصابون ، وكان يخلط بأنواع عديدة من الطيب ، تدقّ معه ، وتحفظ في وعاء يسمّونه الأشناندان ، له غطاء يحفظ رائحته ، ويتناول منه بملعقة ، لكي لا يتّسخ الباقي بملامسة الأيدي ، وكان الأشنان الذي يصنع لهارون الرشيد يشتمل على ثلاثة عشر جزءا ، راجع مطالع البدور 2 / 66 . ( 26 ) إهداء العروس إلى بعلها : زفّها إليه . ( 27 ) جليت العروس على زوجها : عرضت عليه مزيّنة مصقولة . ( 28 ) السفلة : السقط والغوغاء من الناس .