القاضي التنوخي

362

الفرج بعد الشدة

فقال : هذه صبيّة ربّتها السيّدة أمّ أمير المؤمنين المقتدر باللّه ، وهي من أخصّ جواريها عندها ، وأحضاهنّ ، وأحبهنّ إليها . وإنّها اشتهت رؤية الناس ، والدخول [ 308 غ ] والخروج ، فتوصّلت حتى صارت القهرمانة « 12 » ، وصارت تخرج في الحوائج ، فترى الناس . وقد - واللّه - حدّثت السيّدة بحديثك ، وسألتها أن تزوّجها منك ، فقالت : لا أفعل ، أو أرى الرجل ، فإن كان يستحقّك ، وإلّا لا أدعك واختيارك . وتحتاج إلى أن تتحيّل في إدخالك إلى الدار « 13 » بحيلة ، إن تمّت وصلت إلى تزويجها ، وإن انكشفت ضربت عنقك ، فما تقول ؟ فقلت : أصبر على هذا . فقال : إذا كان الليلة ، فاعبر إلى المخرّم « 14 » ، وادخل المسجد الذي بنته السيّدة على شاطىء دجلة ، وعلى حائطه الأخير مما يلي دجلة ، اسمها مكتوب بالآجر المقطوع ، فبت فيه . قال أبو الفرج بن النرسي : وهو المسجد الذي قد سدّ بابه الآن سبكتكين ، الحاجب الكبير ، مولى معزّ الدولة ، المعروف بجاشنكير « 15 » ، وأضافه إلى ميدان

--> ( 12 ) القهرمانة : أنظر الشرح في آخر القصّة . ( 13 ) الدار : دار الخلافة . ( 14 ) المخرّم : قال ياقوت في معجم البلدان 4 / 441 إنّ محلّة المخرّم كانت بين الزاهر والرصافة ، وكانت تضمّ دار الوزارة إبّان وزارة ابن الفرات ، ثمّ صارت دار المملكة في عهد سلاطين الدولة البويهيّة والسلجوقية ، وقد حلّ محلّها الآن : محلّة العلوازية ، والمستشفى التعليمي ، أو مدينة الطبّ الآن ، جزء من محلّة المخرّم . ( 15 ) سبكتكين : القائد التركي ، مولى معزّ الدولة ، وحاجبه ، المعروف بجاشنكير : كان معزّ الدولة يعتمد عليه في أمر الجيش ، فلمّا مات ، وخلفه بختيار ، وكان سيّء السياسة ، أوحش سبكتكين ، فنفر منه ، واضطر آخر الأمر إلى مجاهرته بالخصومة ، فسيطر على بغداد ، وخلع المطيع ، ونصب الطائع بدلا منه ، ثم خرج مع الطائع ليحارب بختيار ، ولكنّه مات في دير العاقول في السنة 363 ، وخلف ألف ألف دينار ، وعشرة آلاف ألف درهم ، وصندوقين من الجواهر ، وخمسة وأربعين صندوقا ، من آنية الذهب ، غير