القاضي التنوخي
360
الفرج بعد الشدة
وبيع كلّ ما فيها ، وأوفي الناس ثمن متاعهم ، وأجلس في بيتي مقتصرا على غلّة يسيرة من عقار كان خلّفه لي أبي [ 307 غ ] . فلمّا كان بعد أسبوع ، إذا بها قد باكرتني ، ونزلت عندي ، فحين رأيتها أنسيت ما كنت فيه وقمت لها . فقالت : يا فتى ، تأخّرنا عنك ، وما شككنا أنّا قد روّعناك ، وظننت أنّا قد احتلنا عليك . فقلت : قد رفع اللّه قدرك عن هذا . فاستدعت الميزان ، فوفّتني دنانير قدر ما قلت لها عن ثمن المتاع ، وأخرجت تذكرة « 8 » بمتاع آخر . فأجلستها أحادثها ، وأتمتّع بالنظر إليها إلى أن تكامل السوق ، وقمت ، ودفعت إلى كلّ إنسان ما كان له ، وطلبت منهم ما أرادت ، فأعطوني ، فجئتها به ، فأخذته وانصرفت ، ولم تخاطبني في ثمنه بحرف . فلمّا غابت عنّي ندمت ، وقلت : المحنة هذه ، أعطتني خمسة آلاف درهم ، وأخذت منّي متاعا بألف دينار ، والآن إن لم أقع لها على خبر ، فليس إلّا الفقر ، وبيع متاع الدكّان ، وما قد ورثته من عقار . وتطاولت غيبتها عنّي أكثر من شهر وأخذ التجّار يشدّدون عليّ في المطالبة ، فعرضت عقاري ، وأشرفت على الهلكة . فأنا في ذلك ، وإذا بها قد نزلت عندي ، فحين رأيتها زال عنّي الفكر في المال ، ونسيت ما كنت فيه ، وأقبلت عليّ تحادثني ، وقالت : هات الطيّار « 9 » ، فوزنت لي بقيمة المتاع دنانير .
--> ( 8 ) التذكرة : قائمة تسجّل فيها الأشياء المطلوبة ، والعامّة ببغداد يسمّونها « تسكره » . ( 9 ) الطيّار : ميزان لطيف توزن به الأشياء الدقيقة كالدنانير .