القاضي التنوخي
323
الفرج بعد الشدة
وقدّم له ما يأكله ، وجئنا به ، فأخذني الغلام ، وفعل بي ذلك ، وعدت ، فتركت بين يديّ صينيّة . فاندفعت الجارية تغنّي بنشاط ، واستدعت النبيذ ، وشربت ، وشربنا ، وأخذت أقترح عليها الأصوات الجياد ، فتضاعف سرور الرجل بها . وما زلنا على ذلك أيّاما ، حتى وصلنا نهر معقل ، ونحن سكارى ، فشدّ الزلّال في الشطّ . وأخذتني بولة الماء في الليل ، فصعدت على ضفة نهر معقل « 9 » لأبول ، فحملني السكر على النوم . ودفع الزلّال وأنا لا أعلم ، وأصبحوا فلم يجدوني ، ودخلوا البصرة ، ولم أنتبه أنا إلّا بحمي الشمس « 10 » ، فجئت إلى الشطّ ، فلم أر لهم عينا ولا أثرا . وكنت قد أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف ؟ وأين داره [ 294 غ ] من البصرة ؟ واحتشمت غلمانه أن أسألهم ، فبقيت على شاطئ نهر معقل ، كأوّل يوم بدأت بي المحنة ، وكأنّ ما كنت فيه منام . فاجتازت بي سماريّة ، فقعدت فيها ، ودخلت إلى البصرة ، وما كنت دخلتها قط ، فنزلت خانا ، وبقيت متحيّرا ، لا أدري ما أعمل ، ولم يتوجّه لي معاش . إلى أن اجتاز بي إنسان أعرفه ، [ 269 ر ] فتبعته لأكشف له حالي ، ثم أنفت من ذلك ، ودخل الرجل إلى منزله ، فعرفته ، وجئت إلى بقّال كان على باب الخان الذي نزلته ، فأعطيته دانقا ، وأخذت منه ورقة ، وجلست أكتب رقعة إلى الرجل .
--> ( 9 ) نهر معقل : نهر معروف بالبصرة ، ينسب إلى معقل بن يسار الصحابي ، حفره بالبصر بأمر الخليفة عمر ( معجم البلدان 4 / 485 ) . ( 10 ) حمي الشمس : حرّها ، ويقال أيضا : حمو الشمس ، والتعبيران ما زالا مستعملين ببغداد .