القاضي التنوخي

318

الفرج بعد الشدة

فقلت : في الموضع الفلاني . فقال : قم معي إليه ، وما فارقني حتى حملني إلى منزلي ، وما زال يؤنسني ، ويعظني ، إلى أن بان له السكون فيّ ، فشكرته . وانصرف ، فكدت أن أقتل نفسي لوحشة منزلي عليّ ، ثم ذكرت [ 267 ر ] النار والآخرة ، فخرجت من بيتي هاربا ، إلى بعض أصدقائي القدماء في حال سعادتي ، فأخبرته خبري ، فبكى رقّة لي ، وأعطاني خمسين درهما . وقال : اقبل رأيي ، واخرج الساعة من بغداد ، واجعل هذه نفقة لك إلى حيث وجدت قلبك يساعدك إلى قصده ، وأنت من أولاد الكتّاب ، وخطّك جيّد ، وأدبك صالح ، فاقصد بعض العمّال ، واطرح نفسك عليه ، فأقلّ ما في الأمر أن تصير محرّرا بين يديه ، وتعيش معه ، ولعلّ اللّه أن يصنع لك صنعا . فعملت على هذا ، وجئت إلى الكتبيّين « 2 » ، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسط ، وكان لي فيها أقارب ، فأجعلهم ذريعة لي إلى التصرّف مع بعض عمّالها . فحين جئت إلى الكتبيّين ، إذا بزلّال مقدّم ، وخزانة كبيرة « 3 » ، وقماش كثير ينقل إلى الزلّال ، وإلى الخزانة . فسألت : من يحملني إلى واسط ؟ فقال أحد ملّاحي الزلّال : نحن نحملك بدرهمين إلى واسط ، ولكن هذا

--> ( 2 ) يلاحظ أنّ موقف وسائل النقل النهرية في بغداد ، كان في مشرعة سوق الكتبيّين ، وكذلك الحال في واسط ( القصّة 452 من هذا الكتاب ) ، وهذا يعني أنّ سوق الكتبيّين في واسط ، وفي بغداد ، على النهر ، وأنّ في كلّ واحد منهما فرضة تتّسع لجميع هذه الوسائل التي كان عليها المعوّل في الانتقال في ذلك العصر بين مدن العراق ، وتسمّى تلك الفرضة التي ببغداد « فرضة البصريين » راجع الطبري 10 / 118 وحاشية القصّة 300 من هذا الكتاب . ( 3 ) الخزانة : سفينة تقطر مع الزلّال ويحفظ فيها ، ما يحتاج إليه راكبوا الزلّال ، من طعام وشراب ، ولباس ومتاع ، وقد أهدى علي بن هشام ، قائد المأمون ، لعلويه المغنّي حراقته ، بخزانتها ، وجميع آلاتها فباعها بمائة وخمسين ألف درهم ( الأغاني 11 / 348 ، 349 ) .