القاضي التنوخي
313
الفرج بعد الشدة
فقال بوّابي : من هذا ؟ قالوا : خدم من دار الخليفة أمير المؤمنين . فقمت ، ولم أشكّ أنّ حديثي قد اتّصل به فأنكره ، وقال : مثل هذا لا يصلح أن يكون كاتبا لحرمة « 8 » ، ولا مدبّرا أمر غلام حدث ، وقد أمر بالقبض عليّ . فقمت أمشي لأخرج من باب آخر كان لي ، وأستتر ، فإذا الخدم قد دخلوا ، ومعهم بغلة عليها عمّارية ، وشموع ، وإذا قد أنزلوا من العمّارية جاريتين ، إحداهما عشيقتي ، فبهتّ . فقال لي أحد الخدم ، وهو كالرئيس عليهم : مولانا أمير المؤمنين يقرئك السلام ، ويقول : عرفت خبرك مع الجارية في هذه الساعة ، فرحمتك ، وقد وهبتها لك مع جميع مالها ، وتركها الخادم ومضى . ودخلت معها عدّة أحمال عليها الأثقال من صنوف الثياب ، والفرش ، والآلات ، والقماش ، وعدّة جوار ، وتركوا ذلك عندي ، وانصرفوا . فأخذت بيد معشوقتي ، وأدخلتها المجلس ، فلمّا رأت الشراب والمجلس معبّأ ، قالت : سلوت عنّي ، وشربت بعدي . فحلفت لها أنّي ما شربت نبيذا منذ فارقتها إلّا في هذا اليوم ، وحدّثتها حديثي بطوله . وقلت لها : ما السبب في مجيئك ؟ وما جرى ؟ فقالت : إعلم أنّ الخليفة لم يرني - منذ اعترضني وأمر بشرائي - إلّا الليلة ، وكان قد اتّصل مزح السيّدة معي ، فأنّها كانت استدعتني منذ مدّة ، وسألتني عن خبري معك ، فأخبرتها . ثم قالت : هل تحبّينه ؟
--> ( 8 ) الحرمة : الأهل والزوجة ، وهذا التعبير ما زال مستعملا ببغداد ، كناية عن المرأة ، يقول العامي البغدادي : رأيت حرمة ، أي : رأيت امرأة ، ورأيت حرمة فلان ، أي زوجة فلان .