القاضي التنوخي
311
الفرج بعد الشدة
وكنت أكتب - حينئذ - لأمّ المتّقي للّه ، وهو حدث ، فتأخّرت عنهم أيّاما ، وأخللت بأمرهما ، وأنا متوفّر تلك الأيّام على الطواف في الصحاري ، لا آكل ، ولا أشرب ، ولا أتشاغل بأكثر من البكاء والهيمان . فأنكر المتّقي وأمّه تأخرّي ، فاستدعاني المتّقي ، وخاطبني في شيء من أمره ، فوجدني لا أعقل ولا أحصّل ما يقوله ، ولا أفهمه . فسألني عن سبب اختلالي ، فصدقته ، وبكيت بين يديه ، وسألته أن يسأل أباه بيع الجارية عليّ ، أو هبتها لي . فقال : ما أجسر على هذا . قال : وزاد عليّ الأمر ، وبطلت . وبلغ أمّ المتّقي الخبر ، فراسلتها أسألها مثلما سألت ابنها ، فرثت لي ، وحملت نفسها على أن خاطبت السيّدة أمّ المقتدر في أمري . فقالت لها أمّ المقتدر : ما العجب من الرجل ، فإنّ الذي في قلبه من العشق قد أعماه عن الرأي [ 235 م ] بل العجب منك ، كيف وقع لك أنّه يجوز أن يقول أحد للخليفة : إنزل عن جاريتك لرجل يعشقها . فراسلتني أمّ المتّقي بما جرى ، فزاد ما بي من القلق . وكنت لا ألقى أحدا من الرؤساء في الدولة ، كالوزير ، وحاشية الخليفة ، إلّا وأقصدهم ، وأبكي بين أيديهم ، وأحدّثهم حديثي ، وأسألهم مسألة الخليفة في تسليم الجارية إليّ ، إمّا ببيع ، أو هبة . فمنهم من ينكر عليّ ويوبّخني ، ومنهم من يرثي لي ويعذرني ، ومنهم من يشير عليّ بالإمساك ، ومنهم من يقول : إذا علم الخليفة هذا ، وأنّك تتعرّض لحرمه ، كان في [ 289 غ ] هذا إتلاف نفسك ، وأنا ملازم أبوابهم ، وتركت خدمة صاحبي . إلى أن طال عليّ الأمر [ وعلى المتّقي وأمّه ، لعدم ملازمتي الباب ] ( 4 ) ووضعت