القاضي التنوخي
296
الفرج بعد الشدة
فقالت : قد سمعت ما عنده ، فاتّق اللّه في نفسك واخرج ، فدعوت لها . فنزلت ، ففتحت الباب فتحا رفيقا ، وقالت : اخرج ، وكانت الدرجة في الدهليز ، فأفضيت إلى الباب ، فلمّا انتهيت إلى آخر الدرب وجدت الحرّاس قد أغلقوه ، فتحيّرت . ثم رأيت رجلا يفتح بابا بمفتاح روميّ ، فقلت : هذا روميّ ، وهو ممن يقبل مثلي . فدنوت منه وقلت : أسترني ، سترك اللّه . فقال : ادخل ، فدخلت ، فرأيته رجلا فقيرا وحيدا ، فأقمت ليلتي عنده ، وبكّر من غد ، وعاد نصف النهار ومعه حمّالان يحمل أحدهما حصيرا ومخدّة ، وجرار ، وكيزان ، وغضائر جددا ، وقدرا جديدا ، ويحمل الآخر خبزا وفاكهة ، ولحما ، وثلجا ، فدخل ، وترك ذلك كلّه عندي ، وأغلق الباب . فنزلت ، وعذلته « 8 » ، وقلت له : لم كلّفت نفسك هذا ؟ فقال : أنا رجل مزيّن « 9 » ، وأخاف أن تستقذرني ، وقد أفردت لك هذا ، فاطبخ أنت وأطعمني [ 253 ر ] في غضارة أجيء بها من عندي ، فشكرته على ذلك ، وأقمت عنده ثلاثة أيّام . فلمّا كان آخر اليوم الثالث ، ضاق صدري ، فقلت له : يا أخي الضيافة ثلاثة أيّام ، وقد أحسنت وأجملت ، وأريد الخروج . فقال : لا تفعل ، فإنّي وحيد ، ولست ممن يطرق ، وخبرك لا يخرج من عندي أبدا ، فأقم إلى أن يفرّج اللّه عنك [ 270 غ ] ، فلست أتثاقل بك . فأبيت للحين « 10 » ، وخرجت على وجهي أريد منزل عجوز [ بباب التبن ] « 11 » من
--> ( 8 ) العذل : اللّوم . ( 9 ) المزيّن : الحلّاق . ( 10 ) الحين ، بفتح الحاء : الهلاك أو المحنة . ( 11 ) ساقطة من غ ، ومحلّة باب التبن ، محلّة كبيرة كانت ببغداد ملاصقة لمقابر قريش التي فيها قبر الإمام موسى الكاظم عليه السلام ( معجم البلدان 1 / 443 ) أقول : هذا يعني أنّ محلّة باب التبن ، هي الآن جزء من مدينة الكاظميّة .