القاضي التنوخي

265

الفرج بعد الشدة

قال : فقطعنا قطاره وكتّفناه ، وأدخلناه وما معه بين الجبال ، ووقعنا على ما معه ، وفرحنا بالغنيمة . وكان للرجل برذون أصفر يساوي مائتي درهم ، فلما رآنا نريد القفول ، قال : يا فتيان ، هنّأكم اللّه بما أخذتم ، ولكنّي رجل حاجّ ، بعيد الدار ، فلا تتعرّضوا لسخط اللّه بمنعي من الحجّ ، وأمّا المال فيذهب ويجيء ، وتعلمون [ 251 ر ] ، أنّه لا نجاة لي إلّا على هذا البرذون ، فاتركوه لي ، فليس يبين ثمنه في الغنيمة التي أخذتموها ، فتشاورنا على ذلك . فقال شيخ فينا مجرّب : لا تردّوه عليه ، واتركوه مكتوفا هنا ، فإن كان في أجله تأخير ، فسيقيّض اللّه له من يحلّ كتافه ، وكنت فيمن عزم على هذا . وقال بعضنا : ما مقدار دابّة بمائتي درهم حتى نمنعها رجلا حاجّا ، فلا حاجة لنا فيها ، وجعلوا يرقّقون قلوب الباقين حتى سمحنا بذلك ، فأطلقناه ، ولم ندع عليه إلّا ثوبا يستر عورته . فقال : يا فتيان ، قد مننتم عليّ ، وأحسنتم إليّ ، ورددتم دابّتي ، وأخشى إذا أنا سرت أن يأخذها غيركم ، فأعطوني قوس ونشّابي ، أذبّ بها عن نفسي وعن فرسي . فقلنا : إنّا لا نردّ سلاحا على أحد . فقال بعضنا : وما مقدار قوس قيمته درهمان ، وما نخشى من مثل هذا ؟ فأعطيناه قوسه ونشّابه ، وقلنا له : انصرف ، فشكرنا ، ودعا لنا ، ومضى حتى غاب عن أعيننا . فما كدنا نسير ، والجارية تبكي ، وتقول : أنا حرّة ، ولا يحلّ لكم أن تأخذوني . فنحن في هذا ، وإذا بالرجل قد كرّ راجعا ، وقال : يا فتيان ، أنا لكم ناصح ، فإنّكم قد أحسنتم إليّ ، ولا بدّ لي من مكافأتكم على إحسانكم ، بنصيحتي لكم . فقلنا : وما نصيحتك ؟