القاضي التنوخي

262

الفرج بعد الشدة

ثم استدعى الجارية ، فخرجت ، وجعلا يشربان ، فلما توسّط شربه ، جرّني ، فلم أشكّ أنّه يريد ذبحي ، فإذا هو قد طرحني في غار من تلك المغارات ، وحلّ كتافي ، وأطبق الباب بصخرة عظيمة ، فأيست من الحياة ، وعلمت أنّه قد أدّخرني لغد . فلما كان في الليل ، لم أحسّ إلّا بامرأة تكلّمني ، فقلت لها : ما بالك ؟ فقالت : إنّ هذا العبد قد سكر ونام ، وهو يذبحك في غد كما ذبح [ 71 ن ] صاحبك ، فإن كانت لك قوّة فاجهد في دفع الصخرة واخرج فاقتله ، وأنج بي وبنفسك . فقلت : ومن أنت ؟ قالت : أنا امرأة من البلد الفلانيّ ، ذات نعمة ، خرجت أريد أهلا لي في البلد الفلانيّ ، فخرج علينا هذا العدوّ للّه ، فأهلك القافلة التي كنت فيها ، ورآني فأخذني غصبا ، وأنا منذ كذا وكذا شهرا ، على هذه الصورة ، يرتكب منّي الحرام ، وأشاهد ذبحه للناس وأكله لهم ، ولا يوصف له إنسان بشدّة بدن إلّا قصده ، حتى يقهره ، ثم يجيء به فيأكله ، ويعتقد أنّ شدّته تنتقل إليه ، وإذا خرج حبسني في الغار ، وخلّف عندي مأكولا وماء لأيّام ، ولو اتّفق أنّه يحتبس عنّي - فضل يوم - متّ جوعا وعطشا . فقلت : إنّني ما أطيق قلع الصخرة . قالت : ويلك ، فجرّب نفسك . قال : فجئت إلى الصخرة فاعتمدت عليها بقوّتي ، فتحرّكت ، فإذا قد وقع تحت الصخرة حصاة صغيرة ، وقد صارت الصخرة مركّبة تركيبا صحيحا ، وذلك لما أراده اللّه تعالى من خلاصي . فقلت : أبشري ، ولم أزل أجتهد ، حتى زحزحت الصخرة شيئا أمكنني الخروج منه ، فخرجت .