القاضي التنوخي
242
الفرج بعد الشدة
فإذا بي قد عريت ، وبقي عليّ خلق لا أتوارى منه بشيء ، وليس معي ماء أشر به ، ولا ظهر أركبه ، وليس بيني وبين الموت إلّا ساعات يسيرة ، فقامت عليّ القيامة ، واشتدّ جزعي ، ولم يكن لي حيلة ، فأيست من الحياة . فأنا كذلك ، إذ وجدت شستجة « 5 » ، كان لي فيها خاتم عقيق ، كبير الفصّ ، كثير الماء ، فأخذته ، ووقع لي في الحال وجه الحيلة ، فجعلته في قطن ، وخبأته معي [ 259 غ ] وقصدت رئيس القوم ، وهو الذي تولّى أخذ مالي ، وعرف موضعي وقدري . فقلت له : قد رأيت عظيم ما أخذته منّي ، وأنا خادم الخليفة أطال اللّه بقاءه ، وقد خرجت لأمر كبير من خدمته ، وقد فزت بما أخذته منّي ، فما قولك في أمر آخر أعظم مما أخذته ، أعاملك به ، وأسديه إليك حلالا لا يجري مجرى الغصوب ، على أنّ تؤمّنني على نفسي ، وترد عليّ من ثيابي ما يسترني ، وتردّ عليّ من دوابّي دابّة ، وتسقيني ماء ، وتسيّرني حتى أحصل في مأمني ؟ فقال : ما هو ؟ قلت : تعطيني أمانك ، وعهودك ، وذمامك ، على الوفاء ، ففعل . فانفردت به ، وجعلت يدي مقابلة للشمس ، وأريته الخاتم ، وأقمت فصّه في شعاع الشمس ، فكاد يخطف بصره ، ورأى ما لم ير مثله . وقال : استره ، وقل لي خبره . فقلت : هذا خاتم الخلافة ، وفصّه هذا ياقوت أحمر ، وهو الذي يتداوله الخلفاء منذ العهد الطويل ، ويعرف بالجبل ، ولا يقوم أمر الخلفاء إلّا به ، وقد كان مخبوءا ببغداد ، فأمرني الخليفة أن أحمله إليه في جملة ما حملته ، وحيث حصل
--> ( 5 ) الشستجة : المنديل ، أو القطعة من القماش تستعمل للمسح ، ويسمّيها البغداديّون اليوم : الكفّية ، قاله ميخائيل عوّاد في رسوم دار الخلافة 75 .