القاضي التنوخي

239

الفرج بعد الشدة

ولا يسلبها ، وحكايات كثيرة مثل ذلك . فأطمعني ذلك في أن يرقّ لي ، فصعدت إلى الموضع الذي هو جالس فيه ، وخاطبته في أمري ، وبكيت ، ورقّقته ، [ 67 ن ] ووعظته ، وحلفت له أنّ جميع ما أملكه قد أخذه ، وأنّي أحتاج إلى أن أتصدّق « 3 » من بعده . فقال لي : يا هذا ، اللّه بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا ، فإنّه قد أسقط أرزاقنا ، وأحوجنا إلى هذا الفعل ، ولسنا [ 258 غ ] فيما نفعله نرتكب أمرا أعظم مما يرتكبه السلطان . وأنت تعلم أنّ ابن شيرزاد ببغداد يصادر الناس ويفقرهم ، حتى أنّه يأخذ الموسر المكثر ، فلا يخرج من حبسه ، إلّا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصدقة ، وكذلك يفعل البريديّ بواسط والبصرة ، والديلم بالأهواز . وقد علمت أنّهم يأخذون أصول الضياع ، والدور ، والعقار ، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد ، فاحسب أنّنا نحن مثل هؤلاء ، وأنّ واحدا منهم صادرك . فقلت : أعزّك اللّه ، ظلم الظلمة ، لا يكون حجّة ، والقبيح لا يكون سنّة ، وإذا وقفت أنا وأنت ، بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، أترضى أن يكون هذا جوابك له ؟ فأطرق مليّا ، ولم أشكّ في أنّه يقتلني ، ثم رفع رأسه ، فقال : كم أخذ منك ؟ فصدقته . فقال : أحضروه ، فأحضر ، فكان كما ذكرت ، فأعطاني نصفه . فقلت له : الآن ، قد وجب حقّي عليك ، وصار لي بإحسانك إليّ حرمة . فقال : أجل . فقلت : إنّ الطريق فاسد ، وما هو إلّا أن أتجاوزك حتى يؤخذ هذا منّي أيضا ، فأنفذ معي من يوصلني إلى المأمن .

--> ( 3 ) التصدّق : طلب الصدقة ، تعبير بغداديّ ، والصدقة : عطيّة يراد بها طلب المثوبة ، لا المكرمة .