القاضي التنوخي
236
الفرج بعد الشدة
وجلست أفكّر في الطالع الذي خرجت به ، فإذا ليس ما يوجب - عندهم - القطع عليّ « 5 » ، والناس قد أديروا إلى الشاطئ ، وأنا في جملتهم ، حيث تفرغ سفنهم ، وينقل ما فيها إلى الشطّ ، وهم يخبطون بالسيوف ، وكنت في وسط الكار « 6 » ، وما انتهى الأمر إليّ . فجعلت أعجب من حصول القطع ، وأنّ الطالع لا يوجبه ، ولست أتّهم علمي مع هذا . فأنا كذلك ، وإذا بسفينة فيها رئيسهم قد طرح على زبزبي « 7 » كما يطرح على سفن التجار « 8 » ، ليشرف على ما يؤخذ منها . فحين رآني ، منع أصحابه من انتهاب شيء من زبزبي ، وصعد إليّ وحده ، فتأمّلني طويلا ، ثم انكبّ وقبل يدي ، وكان متلثّما « 9 » ، فلم أعرفه . قال : فارتعت ، وقلت : يا هذا مالك ؟ فسفر [ 257 غ ] ، وقال : أما تعرفني [ 243 ر ] يا سيّدي ؟ فتأمّلته ، وأنا جزع ، فلم أعرفه . فقلت : لا واللّه . فقال : بلى ، أنا عبدك ، ابن فلان الكرخيّ حاجبك ، وأنا الصبيّ الذي ربّيتني في دارك ، وكنت تحملني على عنقك ، وتطعمني بيدك .
--> ( 5 ) كان القاضي أبو القاسم التنوخي ، والد المؤلّف ، من المولعين بعلم التنجيم ، ولعلّ ولعه هذا ، كان من أسباب التعجيل بوفاته ، راجع القصّة 2 / 172 من نشوار المحاضرة . ( 6 ) الكار : مجموعة السفن المنحدرة من موضع واحد . ( 7 ) الزبزب : ضرب من السفن ، للتفصيل راجع معجم المراكب والسفن في الإسلام لحبيب زيّات ص 335 و 336 في مجلّة المشرق سنة 43 آب - كانون الأوّل 1949 . ( 8 ) طرح عليه : يعني طرح على سفينته ما يمسكها عن الحركة ، ثمّ يمدّ إليها لوحة تسمّى ببغداد : الدّوسة ، وهي التي يدوس عليها من أراد الوصول إلى السفينة ، وما زال التعبيران مستعملين ببغداد . ( 9 ) اللّثام : حجاب يغطى به الأنف والفم ، ومنه سمّي التقبيل في الفم : لثما ، لأنّ القبلة تغطّي الشفتين .