القاضي التنوخي
225
الفرج بعد الشدة
فذكرت بعد أن عادت ، أنّ ابني قد نهاها عن أكل ما في الغضارة « 4 » ، ووجدتها قد ذهب كثير مما كان فيها ، وبقي بعضه متغيّر اللون . قالت : فقلت له : ما السبب ؟ فقال : رأيت أفعى عظيمة قد خرجت من موضع ردّبت إليها وأكلت منها ثم قذفت فيها ، فصار لونها كما ترين ، فقلت : أنا ميّت ، وهو ذا يلحقني ألم شديد ، ومتى أظفر بمثل هذا ؟ وجئت ، فأكلت من الغضارة ما استطعت ، لأموت عاجلا وأستريح ، فلمّا لم أستطع زيادة أكل رجعت حتى جئت إلى فراشي ، وجئت أنت . قالت : ورأيت أنا المضيرة على يده وفمه [ 65 ن ] فصحت . فقال : لا تعلمي أبي شيئا ، وادفني الغضارة بما فيها ، لئلّا يأكلها إنسان فيموت ، أو حيوان فيلسع إنسانا فيقتله ، ففعلت ما قال ، وخرجت إليك . قال : فلمّا عرّفتني ذلك ، ذهب عليّ أمري ، ودخلت إلى ابني ، فوجدته نائما . فقلت : لا توقظيه ، حتى ننظر ما يكون من أمره . فأتيته آخر النهار ، وقد عرق عرقا شديدا ، وهو يطلب المستحمّ « 5 » ، فأنهضناه إليه ، فاندفع بطنه ، فقام من ليلته ، ومن غده ، أكثر من مائة مجلس ، فازداد يأسنا منه ، وقلّ القيام ، إلّا أنّه استمرّ أيّاما ، ثم انقطع القيام ، وقد صار بطنه مثل بطون الأصحّاء ، فطلب فراريج ، فأكل ، إلى أن صار كما ترى . فعجبت من ذلك ، وذكرت أنّ الحكماء الأوائل قالت : إنّ المستسقي إذا أكل من لحم حيّة عتيقة مزمنة لها مئون سنين ، برأ ، ولو قلت لك ، إنّ هذا
--> ( 4 ) الغضارة : راجع حاشية القصّة 249 من هذا الكتاب . ( 5 ) المستحمّ : كناية عن بيت الخلاء .