القاضي التنوخي

144

الفرج بعد الشدة

فقلت لنفسي : ما قعودي ، لئن لم أتخلّص هنا ، لا تخلّصت أبدا . فما زلت أرفق به ، حتى تخلّصت ، وسقطت عنه ، وسبحت منحدرا ، وأقبل هو يشقّ الماء عرضا . فما سبحت إلّا قليلا ، حتى وقعت عيني على جزيرة ، فقصدتها ، وحصلت فيها ، وقد بطلت قوّتي ، وذهب عقلي ، فطرحت نفسي عليها كالتالف . فلم أحسّ إلّا بحرّ الشمس قد أنبهني ، فرجعت أطلب شجرة رأيتها في الجزيرة ، لأستظلّ بها من الشمس ، فرأيت الأسد مقعيا على شاطئ الفرات حيال الجزيرة ، فقلّ فزعي منه . وأقمت مستظلّا بالشجرة ، أشرب من ذلك الماء ، إلى العصر ، فإذا أنا بزورق منحدر ، فصحت بهم ، فوقفوا في وسط الماء . فقلت : يا قوم ، احملوني معكم ، وارحموني . فقالوا : أنت دسيس اللصوص . فأريتهم جراحاتي ، وحلفت لهم أنّه ما في الجزيرة بعلمي أحد سواي ، وأومأت لهم إلى الأسد ، وقلت لهم : قصّتي طريفة ، وإن تجاوزتمونى كنتم أنتم قد قتلتموني ، فاللّه ، اللّه ، في أمري ، فوقفوا ، فأتوا ، فحملوني . فلمّا حصلت في الزورق ، ذهب عقلي ، فما أفقت إلّا في اليوم الثاني ، فإذا عليّ ثياب نظاف ، وقد غسلت جراحاتي ، وجعل فيها الزيت والأدوية ، وأنا بصورة الأحياء . فسألني أهل الزورق عن حالي ، فحدّثتهم . وبلغنا إلى هيت ، فأنفذت إلى العامل من عرّفه خبري ، فجاءني من حملني إليه . وقال : ما ظننت أنّك أفلت ، فالحمد للّه على السلامة . وقال لي : كيف هذا الذي جرى لك ؟ فحدّثته الحديث من أوّله إلى آخره ، فتعجّب عجبا شديدا ، وقال : بين الموضع الذي قطع عليكم فيه الطريق ، وبين الموضع الذي حملك أهل الزورق منه