القاضي التنوخي
122
الفرج بعد الشدة
قال عنبسة : فخرجت به ، فلمّا كان في بعض الطريق ، قال لي : هل فيك خير يا فتى ؟ قلت : وما ذاك ؟ قال : إنّي - واللّه العظيم - ما خرجت على المسلمين قط ولا استحللت قتالهم ، وعندي ودائع وأموال ، فتخلّى عنّي ، حتى آتي أهلي فأردّ على كلّ ذي حقّ حقّه ، وأجعل لك عهد اللّه عزّ وجل ، أنّي أرجع إليك من غد . فتعجّبت منه ، وتضاحكت به . فمضينا ساعة ، فأعاد القول عليّ ، فقلت له : إذهب ، فذهب . فلمّا توارى عنّي شخصه ، أسقط في يدي ، فأتيت أهلي وأخبرتهم الخبر ، فقالوا : لقد اجترأت على الحجّاج . وبتّ بأطول ليلة ، فلمّا طلع الفجر ، إذا أنا به قد جاء . فقلت : أرجعت ؟ فقال : سبحان اللّه ، جعلت اللّه عزّ وجلّ ، لك كفيلا ، ثم لا أرجع ؟ قال : فانطلقت به إلى الحجّاج . فقال : أين أسيرك ؟ فقلت : بالباب ، أصلح اللّه الأمير ، وقد كانت لي وله قصّة . قال : ما هي ؟ فأخبرته الخبر ، وأدخلته عليه . فقال لي : أتحبّ أن أهبه لك ؟ قلت : نعم . قال : هو لك . فأخرجته معي ، وقلت له : خذ أيّ طريق شئت ، فرفع طرفه إلى السماء ، وقال : الحمد للّه ، وانصرف ، وما كلّمني بكلمة . فقلت في نفسي : هذا مجنون .