القاضي التنوخي
8
الفرج بعد الشدة
فدعي لي بغسول « 12 » ، وطيب ، وخلعة ، فلبست ، وتطيّبت ، وحملت إلى دار الخليفة على دابّة ، فعرفتها بالحرس ، والتكبير ، والنيران « 13 » ، فجاوزت مقاصير عدّة ، حتّى صرت إلى دار قوراء « 14 » ، وسطها أسرّة ، قد أضيف بعضها إلى بعض ، فأمرت بالصعود ، فصعدت ، فإذا رجل جالس ، وعن يمينه ثلاث جواري ، وإذا حياله مجالس خالية ، قد كان فيها قوم قاموا عنها . فلم ألبث أن خرج خادم من وراء الستر ، فقال للرّجل : تغنّ ، فغنّى صوتا لي وهو : لم تمش ميلا ، ولم تركب على جمل « 15 » * ولم تر الشمس إلّا دونها الكلل تمشي الهوينا « 16 » كأنّ الشمس بهجتها * مشي اليعافير « 17 » في جيآتها الوهل « 18 » فغنّى بغير إصابة ، وأوتار مختلفة الدساتين « 19 » ، وعاد الخادم إلى الجارية الّتي تليه ، فقال لها : غنّي ، فغنّت أيضا ، صوتا لي ، كانت فيه أحسن حالا ، وهو :
--> ( 12 ) الغسول ، بفتح الغين : هو الأشنان الذي تغسل به الأيدي بعد الطعام ، وكان يشتمل على أنواع من الطيب تخلط وتدقّ وتحفظ في وعاء اسمه الاشناندان ، له غطاء يحفظ رائحته ، ويتناول منه بملعقة ، لكي لا يتّسخ الباقي بملامسة الأيدي ، وكان الأشنان الذي يصنع للرشيد يتكون من ثلاثة عشر جزءا ، راجع مطالع البدور 2 / 66 . ( 13 ) هذا يعني أنّ وجود الحرس ، والإعلان بالتكبير ، وإشعال النيران ، لا تجتمع إلّا على باب دار الخليفة . ( 14 ) الدار القوراء : الواسعة . ( 15 ) في الأغاني 6 / 313 ولم تركب على قتب . ( 16 ) الهوينا : التوءدة والرفق ، والبغداديّون يقولون : تمشي برهدنة ، وهي فصيحة ، وتعني الاستدارة في المشي . ( 17 ) اليعافير : الظباء . ( 18 ) الوهل : الخوف والفزع . ( 19 ) الدساتين : ومفردها الدستان ، الرباطات التي توضع عليها الأصابع في العود ، وأسامي دساتين العود تنسب إلى الأصابع التي توضع عليها ، فأوّلها دستان السبابة ، ثم دستان الوسطى ، ثم دستان البصر ، ثم دستان الخنصر ، للتفصيل راجع مفاتيح العلوم للخوارزمي 137 و 138 .