القاضي التنوخي

49

الفرج بعد الشدة

عشيره ، وثقته ، وموضع سرّه وأنسه ، وإنّ جاريتي فلانة ، أحسن النّاس وجها وغناء ، وهي منّي بمحلّ نفسي ، وقد كدّرت عليّ صفو الحياة ، ونغّصتها عليّ ، بعجبها بنفسها ، وبتجنّيها عليّ وإدلالها ، لما تعلمه من حبّي لها ، وإنّي محضرها ، ومحضر صاحبة لها ليست منها في شيء ، لتغنّي معها ، فإذا غنّت ، أومأت إليك ، على أنّ أمرها أبين من أن يخفى عليك ، فلا تستحسن غناءها ، ولا تشرب عليه ، وإذا غنّت الأخرى ، فاشرب ، واطرب ، واستحسن ، وشقّ ثيابك ، وعليّ ، بكلّ ثوب ، مائة ثوب . فقلت : السّمع والطاعة ، لأمير المؤمنين . فجلس في حجرة خلوته ، وأحضرني ، وسقاني أرطالا ، فغنّت المحسنة [ 163 ظ ] ، وقد أخذ منّي الشراب ، فما ملكت نفسي أن استحسنت ، وطربت ، فأومأ اليّ ، وقطّب في وجهي . ثمّ غنّت الاخري ، فجعلت أتكلّف القول ، وأفعله . ثمّ غنّت المحسنة ثانية ، فأتت بما لم أسمع مثله حسنا قط ، فما ملكت نفسي أن صحت ، وطربت ، وشربت ، وهو ينظر إليّ ، ويعضّ شفتيه غيظا عليّ ، وقد زال عقلي ، فما أفكّر فيه ، حتّى فعلت ذلك مرارا ، وكلّما زاد شربي ، ذهب عقلي . فأمر بجرّ رجلي ، وصرفي ، وأمر أن لا أدخل عليه ، فجاءني النّاس يتوجّعون لي ، ويسألون عن قصّتي ، فقلت : حمل عليّ النّبيذ ، فأسأت أدبي ، فمنعني من الدخول إليه . ومضى لما أنا فيه شهر ، وقد استمرّت عليّ المحنة . فبينما أنا كذلك ، إذ جاءتني البشارة ، بأنّه قد رضي عنّي ، وأمر باحضاري ، فحضرت ، وأنا خائف ، فلمّا وصلت إليه ، أعطاني يده فقبّلتها ، فضحك إليّ ، ثمّ قام وقال : اتبعني .