القاضي التنوخي
18
الفرج بعد الشدة
ثمّ أقبل الثاني ، وبين يديه عبد على كتفه كارة ، فصبّها بين يديه ، فإذا فيها حلي مخلّع من بناته ونسائه . فقال : واللّه ، ما تركت لهنّ شيئا ، إلّا أخذته . وأقبل الثالث [ 128 ر ] ، ومعه غلامان ، معهما كارتان عظيمتان من فاخر ثيابه ، فوضع ذلك بين يديّ . ثمّ قال : يا ابن هرمه ، أنا أعتذر إليك من قلّة ما حبوتك به ، مع بعد العهد ، وطول الشقّة ، وسعة الأمل ، ولكنّك جئتنا في آخر السنة ، وقد تقسّمت أموالنا الحقوق ، ونهبتنا أيدي المؤمّلين ، فلم يبق عندنا غير هذه الصبابة « 3 » ، آثرناك بها على أنفسنا ، وسللناها لك من أفواهنا ، ولو قدمت قبل هذا الإعسار ، لأعطيناك ما يكفيك ، ولو علمنا بك ، لأتاك عفوا ، ولم تتجشّم المشقّة ، ولم نحوجك إلى سوانا ، وذلك منّا لك أبدا ، ما بقيت ، فأقسم عليك ، لما أصبحت إلّا على ظهر راحلتك ، وتداركت أهلك ، فخلّصتهم من هذه المحنة ، فقمت إلى ناقتي ، فإذا هي قد ضعفت . فقال : ما أرى في ناقتك خيرا ، يا غلام ، أعطه ناقتي الفلانيّة ، فجئ بها برحلها ، فكانت - واللّه - أحب إليّ من جميع ما أعطاني ، ثقة ببلوغها ، ثمّ دعا بناقتين أخريين ، وأوقرهما من المال ، والثّياب ، وزادا يكفيني لطريقي ، ووهب لي عبدين . وقال : هذان يخدمانك في السقي والرعي ، فإن شئت بعتهما ، وإن شئت أبقيتهما ، أفتلومني أنّي أغصّ حذار سخطه بريقي ؟ قال : لا واللّه « 4 » .
--> ( 3 ) الصبابة ، بضم الصاد : البقيّة من كلّ شيء ، قال البحتري في سينيّته : بلغ من صبابة العيش عندي * طفّفتها الأيّام تطفيف بخس ( 4 ) لم ترد هذه القصّة في م ولا في غ ولا ه ، ووردت في البصائر والذخائر م 3 ق 1 ص 225 و 226 .