القاضي التنوخي

110

الفرج بعد الشدة

الصعيد بمصر ، من أجود حمر مصر ، وأمشاها ، وأحسنها صورة ، وأكبرها ، تحمل إلى سائر البلاد للتحف ، وليس في شيء من البلاد مثلها ، والبلاد الباردة لا توافقها ، فتموت فيها سريعا . وخرج توقيع عبد اللّه بن طاهر : إذا وجدتم البرذون الطخاري ، والبغل البرذعي ، والحمار المصري ، والرقيق السمرقندي ، فاشتروها ، ولا تستطلعوا رأينا فيها ، ( لطائف المعارف 219 ) . وروى صاحب مطالع البدور 2 / 183 طريفتين عن الحمار ، الأولى : ذكر إنّه ركب حمارا ، من مصر إلى القاهرة ، فلما كان في أثناء الطريق ، حاد به عن السكّة ، وجهد أن يردّه ، فلم يطق ، حتى انتهى إلى جدار بستان ، فوقف ، وبال ، وعاد إلى الطريق ، وكذلك جرى له مع حمارين آخرين ، والطريفة الثانية : إنّ حمارا كان بمصر ، يجتمع عليه الناس ، ويجمعون له مناديل ، تلقى على ظهره ، ثم يأمره صاحبه بإعادة كلّ منديل إلى صاحبه ، فيدور في الحلقة ، ولا يقف إلّا على من له في ظهره منديل ، فإن أخذه ، ذهب عنه ، وإن أخذ غيره ، لا يذهب ، ولو ضرب مائة ضربة ، ويأخذ الخاتم من إصبع الرجل ، ويسأله عن وزنه ، فيقول : كم وزن الخاتم ؟ فإن كان وزنه درهما ، مشى خطوة واحدة ، وإن كان درهما ونصفا ، مشى خطوة ونصفا ، وهكذا ، وبينما هو واقف ، يقول له شخص : الوالي يسخّر الحمير ، فما يتمّ كلامه ، إلّا ويلقي الحمار نفسه على الأرض ، وينفخ بطنه ، ويقطع نفسه ، كأنّه ميت من زمان ، فإذا قيل له ، بعد ذلك ، ما بقيت سخرة ، ينهض قائما . وكان القاضي ، أو الوالي ، إذا أمر بإشهار شخص ، داروا به على حمار ( المنتظم 8 / 294 و 10 / 237 ومهذّب رحلة ابن بطوطة 2 / 147 ) ، ومن طريف ما يذكر أنّ شخصا حجره القاضي للسفه ، وأمر بإشهاره في البلد ، ليمتنع الناس من التعامل معه ، فحمل على على حمار ، وداروا به في الأسواق ، فلما انتهى النهار ، طالبه المكاري بالأجر ، فالتفت إليه ، وقال له : في أيّ شيء كنّا منذ الصباح ؟ . وكان الشماخ الشاعر ، أوصف الناس للحمير ، أنشد الوليد بن عبد الملك ، شيئا من شعره في وصف الحمير ، فقال : ما أوصفه لها ، إنّي لأحسب أنّ أحد أبويه كان حمارا ( الأغاني 9 / 161 ) . راجع في الملح للحصري ص 283 قصّة العاشق الذي حلّ محلّ الحمار في الطاحون .