القاضي التنوخي
77
الفرج بعد الشدة
وتبيّن ذلك أبي في وجهي ، فقال لي : يا بنيّ ، إذا خلونا ، فسلني عن السّبب فيما عملته مع هذا الرّجل . قال : وكان أبي يأكل في الدّيوان ، وينام فيه ، ويعمل عشيّا . فلمّا جلسنا نأكل ، لم أذكّره ، إلى أن رأيت الطعام قد كاد ينقضي ، فقال لي : يا بنيّ شغلك الطعام عن إذكاري بما قلت لك أن تذكّرني به ؟ . فقلت : لا ، ولكن أردت أن يكون ذلك على خلوة . فقال : يا بنيّ ، هذا وقت خلوة ، ثمّ قال : أليس قد أنكرت ، أنت والحاضرون ، قيامي لأحمد بن خالد ، في دخوله وخروجه ، وما عاملته به ؟ . فقلت : بلى . قال : كان هذا يتقلّد مصر « 5 » ، فصرفته عنها « 6 » ، وقد كانت [ 108 غ ] طالت مدّته فيها ، فتتّبعته ، فوطئت آثار رجل لم أجد أجمل منه آثارا ، ولا أعفّ عن أموال السلطان والرعيّة ، ولا رأيت رعيّة لعامل أشكر من رعيّته له . وكان الحسين الخادم المعروف بعرق الموت صاحب البريد بمصر « 7 » ، من أصدق النّاس له ، وكان مع هذا من أبغض النّاس ، وأشدّهم اضطرابا في أخلاقه ، فلم أتعلّق عليه بحجّة . ووجدته قد أخّر رفع الحساب لسنة متقدّمة ولسنّته الّتي هو فيها ، ولم يستتمّها لصرفي له عنها ، ولم ينفذه إلى الدّيوان ، فسمته أن يحطّ من الدّخل ، وأن يزيد في النّفقات والأرزاق ، ويكسر من البقايا ، في كلّ سنة مائة ألف دينار ،
--> ( 5 ) راجع كتاب الولاة والقضاة للكنديّ ص 200 سطر 16 . ( 6 ) راجع كتاب الولاة والقضاة للكنديّ ص 203 سطر 14 و 15 وص 508 سطر 2 و 3 . ( 7 ) حسين الخادم : الطواشي ، المعروف بعرق الموت ، كان على بريد مصر أيّام المتوكّل ( كتاب الولاة والقضاة للكنديّ 208 و 462 ) ثم عاد إلى بغداد ، واستقرّ في خدمة المعتمد ( الطبري 9 / 475 والكامل 8 / 238 ) .