القاضي التنوخي
71
الفرج بعد الشدة
قال أبو إسحاق ، وأنبأنا أبو عبد اللّه بن أبي دؤاد ، قال : دخلت على المعتصم يوما ، فقال : يا أبا عبد اللّه ، لم يدعني اليوم أبو الحسن الأفشين حتّى أطلقت يده على القاسم بن عيسى . فقمت من بين يديه ، وما أبصر شيئا خوفا على أبي دلف ، ودخلني أمر عظيم ، وخرجت فركبت دابّتي ، وسرت أشدّ سير من الجوسق إلى دار الأفشين بقرب المطيرة ، أؤمّل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث الأفشين عليه حادثة . فلمّا وقفت ببابه ، كرهت أن أستأذن فيعلم أنّي قد حضرت بسبب أبي دلف ، فيعجّل عليه ، فدخلت على دابتي إلى الموضع الّذي كنت أنزل فيه ، وأوهمت حاجبه أنّي قد جئت برسالة المعتصم ، ثمّ نزلت ، فرفع الستر ، فدخلت ، فوجدت الأفشين في موضعه ، وأبو دلف مقيّد بالحديد بين يديه في نطع ، وهو يقرّعه ، ويخاطبه بأشدّ غضب وأعظم مخاطبة . فحين قربت منه أمسك ، فسلّمت ، وأخذت مجلسي ، ثمّ قلت للأفشين : قد عرفت حرمتي بأمير المؤمنين ، وخدمتي إيّاه ، وموضعي عنده ، وموقعي من رأيه ، وتفرّده بالصنيعة عندي والإحسان ، وعلمت مع ذلك ميلي إليك ، ومحبّتي لك ، وقد رغبت إليك فيما يرغب فيه مثلي إلى مثلك ، ممّن رفع اللّه قدره ، وأجلّ خطره ، وأعلى همّته . فقال : كلّ ما قلت كما قلت ، وكلّ ما أردت فهو مبذول لك ، خلا هذا الجالس ، فإنّي لا أشفّعك فيه . فقلت : ما جئتك [ 41 ن ] إلّا في أمره ، ولا ألتمس منك غيره ، ولولا شدّة غضبك ، وما تتوعّده به من القتل ، لكان في جميل عفوك ما يغني عن كلامك ، ولكنّي لما عرفت غيظك ، وما تنقمه عليه ، احتجت - مع موقعه منّي - إلى كلمة في أمره ، واستيهاب عظيم جرمه ، إذ كان مثلك في جلالتك إنّما يسأل جلائل الأمور .