القاضي التنوخي
398
الفرج بعد الشدة
فأقبل الخادم عليّ ، فقال : إن كنت تحسن أن تغنّيه ، فغنّه . فقلت : نعم ، فعجبوا من إقدامي على صوت لم يستطب من جماعتهم ، فغنّيته . فقال الخادم : أحسنت ، واللّه ، فأعده ، فأعدته ، وأعاد الاستحسان ، والأمر بإعادته على ذلك سبع مرّات . ثمّ قال لي الخادم : قم يا [ أبا ] صدقة ، فادخل ، حتّى تغنّي أمير المؤمنين بحيث يراك ، فدخلت ، والمغنّون كلّهم محجوبون « 4 » ، فغنّيته إيّاه ، ثلاث مرّات ، فطرب في جميعهنّ .
--> ( 4 ) كان الخلفاء الأمويون ، معاوية ، ومروان ، وعبد الملك ، والوليد ، وسليمان ، وهشام ، ومروان بن محمد ، بينهم وبين الندماء ستارة ، فكان إذا طرب الخليفة للمغنّي ، أو رقص ، أو تجرّد ، لا يراه إلّا خواصّ جواريه ، وإذا ارتفع من خلف الستارة صوت ، قال صاحب الستارة : يا جارية كفّي ، انتهي ، أقصري ، يوهم الندماء أنّ الفاعل لذلك بعض الجواري ، أمّا الباقون من خلفاء بني أميّة ، فلم يكونوا يتحاشون أن يرقصوا أو أن يتجرّدوا ، ويحضروا عراة بحضرة الندماء والمغنّين ، وعلى ذلك لم يكن أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك والوليد بن يزيد في المجون والرفث والتجرّد بحضرة الندماء . لا يباليان ما صنعا ، أمّا عمر بن عبد العزيز ، فإنّه ما طنّ في سمعه حرف غناء منذ أفضت الخلافة إليه ، إلى أن فارق الدنيا ، أما قبلها ، لما كان أمير المدينة ، فكان يسمع الغناء ، ولا يظهر منه إلّا الأمر الجميل ، ولا يخرجه السرور إلى السخف ( التاج 32 و 33 ) ، واستسقى الأخطل يوما في حضرة عبد الملك بن مروان ، وأراد خمرا ، فقال له عبد الملك : أو عهدتني أسقي الخمر لا أمّ لك ، لولا حرمتك بنا ، لفعلت وفعلت ( الأغاني 8 / 294 ) وكان هشام بن عبد الملك لا يشرب ، ولا يسقى أحد بحضرته مسكرا ، وكان ينكر ذلك ، ويعاقب عليه ( الأغاني 6 / 77 ) . وكان أبو العبّاس السفّاح ، أوّل الخلفاء العباسيين ، في أوّل أيامه ، يظهر للندماء ، ثم احتجب ( التاج 33 ) ، أمّا المنصور فكان لا يظهر لندمائه بشرب ولا غناء ، بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة ، وبينهم وبينها عشرون ذراعا ، وبينها وبينه كذلك ، أمّا المهدي ، فكان في أوّل أمره يحتجب عن الندماء ، وكان يسمع المغنّين جميعا ، ويحضرون مجلسه ، فيغنّونه من وراء الستارة ، لا يرون له وجها ، إلّا فليح بن أبي العوراء ( الأغاني 4 / 360 ) ثم ظهر لهم ( تاريخ الخلفاء 269 ومحاضرات الأدباء 2 / 694 ) إلا أنّه كان لا يشرب النبيذ ( الأغاني 5 / 160 ) لا تحرّجا ، ولكن كان لا يشتهيه ( الطبري 8 / 160 ) ، أمّا الهادي فكان يتناول المسكر ، ويلعب ( تاريخ الخلفاء 279 ) ، وكان الرشيد في أخلاق المنصور ، أي إنّه كان لا يظهر للندماء ، وإذا أراد أن يشرب شرب