القاضي التنوخي

390

الفرج بعد الشدة

فجاء بي إلى خيّاط في سوق الثلاثاء « 4 » ، يخيط ، ويقرئ القرآن في مسجد ، فقصّ عليه قصّتي ، فقام معنا . فلمّا مشينا ، تأخّرت ، وقلت لصديقي : لقد عرّضت هذا الشيخ ، وإيّانا ، لمكروه عظيم ، هذا إذا حصل على باب الرجل ، صفع ، وصفعنا معه ، هذا لم يلتفت [ 147 ظ ] إلى شفاعة فلان ، وفلان ، ولم يفكّر في الوزير ، فكيف يفكّر في هذا الفقير ؟ فضحك ، وقال : لا عليك ، امش ، واسكت . فجئنا إلى باب القائد ، فحين رأى غلمانه الخيّاط ، أعظموه وأهووا التقبيل يده ، فمنعهم من ذلك ، وقالوا : ما جاء بك أيّها الشيخ ، فإنّ صاحبنا راكب ، فإن كان لك أمر يتمّ بنا بادرنا إليه وإلّا فادخل ، واجلس إلى أن يجيء ، فقويت نفسي بذلك ، ودخلنا وجلسنا . وجاء القائد ، فلمّا رأى الشيخ أعظمه إعظاما تاما ، وقال : لست أنزع ثيابي ، أو تأمرني بأمرك . فخاطبه في أمري ، فقال : واللّه ، ما عندي إلّا خمسة آلاف درهم تسأله أن يأخذها ، وأعطيه رهنا في باقي ماله . فبادرت إلى الإجابة ، فأحضر الدراهم ، وحليا بقيمة الباقي ، فقبضت

--> ( 4 ) سوق الثلاثاء : قال ياقوت في معجم البلدان 3 / 193 إنّ فيه اليوم سوق بزّ بغداد الأعظم ، أقول : وما زال هو سوق البزّازين الأعظم ببغداد ، وذكره ابن بطّوطة الذي زار بغداد في عهد السلطان أبي سعيد ابن السلطان خدابنده ، فقال : إنّ أعظم أسواق الجانب الشرقي في بغداد ، يعرف بسوق الثلاثاء ، كلّ صناعة فيه على حدة ، وفي وسط هذا السوق المدرسة النظامية العجيبة الّتي صارت الأمثال تضرب بحسنها ، وفي آخره المدرسة المستنصرية ( مهذب الرحلة 1 / 175 ) ، أقول : يتّضح من هذا الوصف أنّ سوق الثلاثاء يشتمل على سوق الهرج الذي أمام المستنصرية ، ويمتد بامتداد ما نسمّيه الآن سوق المصبغة ، ثم يلتفّ حتى يمر على خان دلة ، وينتهي بالطريق العام الذي هو الآن شارع الرّشيد ، راجع بحثنا عن دار مؤنس التي اقتطعت منها المدرستان النظامية والمستنصرية ، في حاشية القصّة 163 من الكتاب .