القاضي التنوخي
37
الفرج بعد الشدة
فقلت : استعجلوه . فمضى بعضهم يستعجله ، وأنا أتفقّد الدّار ، والأحوال ، والحاشية ، فوجدت الدّار قد ماجت بأهلها موجا شديدا . فلم أزل كذلك ، حتّى خرج الرّجل ، بعد أن أطال ، واستربت به ، واشتدّ قلقي وخوفي من أن يتوارى . إلى أن رأيت شيخا قد أقبل بزيّ الحمّام ، يمشي في الصّحن ، وحوله جماعة كهول ، وأحداث ، وصبيان ، هم أولاده ، وغلمان كثيرة ، فعلمت أنّه الرّجل . فجاء حتّى جلس ، وسلّم عليّ سلاما خفيفا ، وسألني عن أمير المؤمنين ، واستقامة أمر حضرته ، فأخبرته بما وجب . فما انقضى كلامه حتّى جاءوه بأطباق الفاكهة ، فقال لي : تقدّم يا منارة فكل معنا . فقلت : ما بي إلى ذلك حاجة . فلم يعاودني ، وأقبل يأكل هو والحاضرون معه ، ثمّ غسل يديه ، ودعا بالطعام ، فجاءوه بمائدة حسنة جميلة « 7 » ، [ لم أر مثلها إلّا للخليفة ] « 8 » ، فقال : تقدّم يا منارة فساعدنا على الأكل ، لا يزيد على أن يدعوني باسمي ، كما يدعوني الخليفة . فامتنعت ، فلم يعاودني ، وأكل هو وأولاده ، [ وكانوا تسعة ، عددتهم ، وجماعة كثيرة من أصحابه ، وحاشيته ، وجماعة من أولاده وأولاد أولاده ] 2 . فتأمّلت أكله في نفسه ، فرأيته أكل الملوك ، ووجدت جأشه رابطا ، وذلك الاضطراب الّذي كان في داره قد سكن ، ووجدته لا يرفع من بين يديه
--> ( 7 ) في غ : عظيمة . ( 8 ) الزيادة من غ .