القاضي التنوخي

353

الفرج بعد الشدة

فلمّا اشتدّ عليّ الأمر ، واستحكم اليأس ، قال لي : يا سيّدي ، قد - واللّه - أتاك الفرج ، أرى شيئا في الصحراء قد أقبل ، ومعه فرجنا ، فازددت من قوله غيظا ، وأمرت غلماني بتأمّل الصحراء ، فلم أر ، ولم يروا شيئا . وجدّ القوم في الهدم والحريق ، حتّى هممت - لما داخلني - أن أرمي بالفضل إليهم . فقال الغلمان : إنّا نرى في الصحراء شيئا يلوح ، فنظرت فإذا شبح ، وجعل يزيد تبيانا ، إلى أن تبيّنوا رجلا على بغلة ، ثمّ قرب ، فإذا هو يلوّح ، وقرب من العسكر ، وقويت له قلوبنا ، ورأى الجند ذلك فتوقّفوا ، وخالطهم ، فإذا هو يقول : البشرى ، هذا رأس علي بن عيسى بن ماهان معي في المخلاة « 7 » ، فلمّا رأوا ذلك أمسكوا [ 113 ر ] عنّا ، وانقلبوا بالدعاء ، والسرور بالظفر والفتح . فقال لي الفضل بن سهل : يا سيّدي ، ائذن لي في إدخال بعضهم ، فأذنت له ، فشرط عليهم أن لا يدخل إلّا من يريد ، فأجابوا إلى ذلك ، وسمّى قوما من القوم ، فأدخلهم . فكان أوّل من دخل عليّ ، عبد اللّه بن مالك الخزاعي « 8 » ، فقبّل يدي ، وسلّم عليّ بالخلافة ، ثمّ أدخل القوّاد بعده ، واحدا ، واحدا ، ففعلوا مثل ذلك ، فأطفأ اللّه - عزّ وجلّ - النائرة ، ووهب السلامة ، وقلّدني الخلافة ، فظفرت

--> ( 7 ) كان جيش الأمين يشتمل على خمسين ألف فارس بقيادة علي بن عيسى بن ماهان ، وجيش المأمون ، أقل من أربعة آلاف فارس ، بقيادة طاهر بن الحسين ، والتقيا بالريّ ، فانكسر جيش الأمين ، وقتل قائده ، وكتب طاهر إلى المأمون بالفتح ، قال : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، كتابي إلى أمير المؤمنين ، ورأس علي بن عيسى بين يديّ ، وخاتمه في إصبعي ، وجنده مصرّفون تحت أمري ، والسلام ( ابن الأثير 6 / 245 ) . ( 8 ) عبد اللّه بن مالك الخزاعي : ترجمته في حاشية القصّة 130 من هذا الكتاب .