القاضي التنوخي

33

الفرج بعد الشدة

فحبسه ، فاستغاث الرّجل بإسماعيل ، فكلّم غير واحد من رؤساء البلد ، أن يكلّم نزارا فيه ، فتجنّبوا ذلك بسبب المذهب ، فبات إسماعيل قلقا . ثمّ بكر من غد ، فطاف على كلّ معتزليّ بالبصرة ، وقال [ 99 غ ] لهم : إن تمّ هذا عليكم هلكتم متفرّقين ، وحبستم ، وأتي على أموالكم ونفوسكم ، فاقبلوا منّي ، واجتمعوا ، وتدبّروا برأيي ، فإنّ الرّجل يتخلّص وتعزّون . فقالوا : لا نخالف عليك . فوعدهم ليوم بعينه ، ووعد معهم كلّ من يعرفه من العوام ، وأصحاب المذاهب « 4 » ممّن يتّبع قصّاص المعتزلة ، ومن يميل إليهم . فلمّا كان ذلك اليوم ، اجتمع له منهم أكثر من ألف رجل ، فصار بهم إلى نزار ، واستأذن عليه ، فأذن له ولهم . فقال : أعزّ اللّه الأمير ، بلغنا أنّك حبست فلانا ، لأنّه قال : إنّ القرآن مخلوق « 5 » ، وقد جئناك ، وكلّنا نقول : إنّ القرآن مخلوق ، وخلفنا ألوف يقولون كما نقول ، فإمّا حبستنا جميعا ، وإمّا أطلقت صاحبنا ، وإذا كان السلطان - أطال اللّه بقاءه - قد ترك المحنة ، وقد أقرّ النّاس على مذاهبهم ، فلم نؤاخذ نحن بمذهبنا ، من بين سائر المقالات ؟ فنظر نزار فإذا فتنة تثور ، لم يؤذن له فيها ، ولم يدر ما تجرّ ، فأطلق الرّجل ، وسلّمه إليهم . فشكره إسماعيل ، وانصرف والجماعة « 6 » .

--> ( 4 ) كذا وردت في ر ، وفي ظ وم : أصحاب المدات ، وفي غ : أصحاب المداب . ( 5 ) القول بأنّ القرآن مخلوق ، تبنّاه المأمون ، وأخذ الناس بأن يتابعوه في ذلك ، وأتّبعه المعتصم والواثق ، وامتحنوا المخالفين لهم وآذوهم . ( 6 ) وردت القصّة في كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للتنوخيّ برقم 2 / 108 .