القاضي التنوخي
313
الفرج بعد الشدة
فلمّا كان في صبيحة تلك اللّيلة ، باكرني ابن دارم ، فحين وقعت عيني عليه ، تثاقلت به خوفا من أن يسلك معي مذهبه ، وهممت أن أفتتح خطابه بما كنت عزمت على مراسلته به ، فسبقني بأن قال لي : جئتك مبشّرا . فقلت : بما ذا ؟ قال : رأيت البارحة في منامي ، كأنّي بالرقّة ، والنّاس يهرعون [ 107 ر ] إلى زيارة قبور الشهداء . قال أبو الفرج : وهم جماعة ممّن قتل بصفّين « 2 » ، مع عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، منهم عمّار بن ياسر « 3 » ، حملوا إلى ظاهر الرقّة ، فدفنوا بها ، والحال في ذلك مشهور ، والقبور إلى الآن مغشيّة معمورة . قال لي ابن دارم : ورأيت كأنّ أكثر النّاس مطيفون بقيّة ، فسألت عنها ، فقيل لي : هي على قبر عمّار بن ياسر رضي اللّه عنه ، فقصدتها ، وطفت بها ،
--> ( 2 ) صفّين : موضع بقرب الرقّة ، على شاطئ الفرات من الجانب الغربي ، بين الرقّة وبالس ، وفيه كانت وقعة صفّين بين الإمام عليّ بن أبي طالب ومعاوية في السنة 37 ، قتل فيها من الطرفين خمسة وسبعون ألفا ( معجم البلدان 3 / 402 ) . ( 3 ) أبو اليقظان عمّار بن ياسر بن عامر الكناني المذحجي العنسي القحطاني ( 57 ق ه - 37 ه ) : من الولاة الشجعان ذوي الرأي ، أحد السابقين إلى الإسلام والجهر به ، وأمه سميّة ، أوّل شهيدة من النساء في الإسلام ( لطائف المعارف 13 ) ، هاجر إلى المدينة ، وشهد بدرا وأحدا والخندق ، وبيعة الرضوان ، وكان النبيّ صلوات اللّه عليه يلقبه : الطيّب المطيّب ، وقال عنه : ما خيّر عمّار بين أمرين ، إلا اختار أرشدهما ، وهو أوّل من بنى مسجدا في الإسلام ، ولّاه الخليفة عمر الكوفة ، وشهد وقعة الجمل وصفّين مع عليّ ، وقتل في إحدى معارك صفّين ، قتله أحد أنصار معاوية ، فأحدث قتله اضطرابا في الشاميّين ، لأنّ النبيّ صلوات اللّه عليه ، قال له : يا عمّار ، تقتلك الفئة الباغية ( الطبري 5 / 39 و 41 والأعلام 5 / 192 ) ، وحلول معاوية أن يهدّئ اضطراب أصحابه ، فقال : إنّ عليّا هو الذي قتل عمّار ، لأنّه جاء به إلى المعركة ، وبلغ ذلك عليّا ، فقال : إذن يكون النبيّ صلوات اللّه عليه ، هو قاتل عمّه حمزة ، لأنّه جاء به إلى معركة أحد .