القاضي التنوخي
308
الفرج بعد الشدة
قال : قال عيسى : خرج يوما محمّد بن سليمان إلى ظاهر الفسطاط « 7 » ، فانتهى به السير إلى قبّة كانت لأحمد بن طولون « 8 » ، يقال لها : قبّة الهواء ، مطلّة على النيل وعلى البرّ ، فجلس فيها ومعه الحسين بن حمدان « 9 » وجماعة من القوّاد ، ثمّ قال : الحمد للّه الّذي بيده الأمر كلّه يفعل ما يشاء . فقال له الحسين بن حمدان : لا شكّ أنّ تجديدك الحمد لأمر . قال : نعم ، وهو عجيب طريف ذكرته السّاعة ، وهو أنّي نزعت إلى مصر وأنا في حال رثّة ، في زيّ صغار الأتباع ، فضاق عليّ المعاش بها ؟ فاتّصلت بلؤلؤ الطولونيّ « 10 » ، فأجرى عليّ دينارين في كلّ شهر ، وصيّرني مشرفا في
--> ( 7 ) الفسطاط : حاضرة الديار المصرية ، قبل بناء القاهرة ، أنشأها المسلمون لما افتتحوا مصر ، وكان سبب إنشائها أنّ قائد جيش المسلمين كان قد نصب فسطاطه في موضع ، ولما أراد تقويضه ، إذا بيمامة قد باضت في أعلاه ، فقال : لقد تحرّمت بجوارنا ، وأقرّ الفسطاط على حاله ، ووكّل به من يحفظه ، وعمّر الناس حول الفسطاط مدينة أصبحت حاضرة مصر ( معجم البلدان 3 / 896 ) . ( 8 ) أبو العباس أحمد بن طولون ( 220 - 270 ) : من كبار القوّاد الأتراك في الدولة العبّاسيّة ، تقدّم عند المتوكّل ، فولّاه الثغور والشام ، ثمّ مصر ، واختلف مع الحضرة ، فاستقلّ ، وحارب الجيش العبّاسيّ ، وكان شديدا ، قاسيا ، سفّاكا للدماء ( الأعلام 1 / 137 ) . ( 9 ) الحسين بن حمدان بن حمدون الحمداني : عمّ سيف الدولة الحمداني ، أحد الأمراء الشجعان المقدّمين في العصر العباسي ، من قوّاد المعتضد ، اشترك في فتنة ابن المعتزّ ، ثم ولّي قم ، ثم ديار ربيعة ، ثم خرج عن الطاعة ، فأسر ، واعتقل ، وقتل في الحبس سنة 306 ( الأعلام 2 / 254 ) . ( 10 ) لؤلؤ الطولوني : غلام أحمد بن طولون ، ربّاه أحمد ، وقوّده ، وقلّده حمص وحلب وقنسرين وديار مضر ( الطبري 9 / 614 ) فانتقض عليه في السنة 268 ( الطبري 9 / 611 ) وكاتب أبا أحمد الموفّق في المصير إليه ( الطبري 614 ) وقدم بغداد في جيش عظيم من الفراغنة والأتراك والروم البربر والسودان وغيرهم من نخبة أصحاب ابن طولون ( الطبري 9 / 650 ) فقلّد أعمال الفرات وشهر زوراء وحلوان وأعمالا أخرى غيرها ( الطبري 9 / 628 ) واشترك في حرب صاحب الزنج ، فأبلى وجيشه بلاء حسنا ( الطبري 9 / 650 ) وكان قتل صاحب الزنج بيد أحد أتباعه ( الطبري 9 / 659 ) فجازاه الموفّق أقبح جزاء ، إذ اعتقله في السنة 273 واستصفى ماله ، فقال لؤلؤ : ما عرفت لنفسي ذنبا