القاضي التنوخي

28

الفرج بعد الشدة

وغزا أمير المؤمنين المعتصم ، عموريّة « 10 » ، وكان من أمر عجيف ما كان « 11 » ، فقتله ، واتّصل الخبر بكاتبه ، فأطلقني . فخرجت من الحبس ، وما أهتدي إلى حبّة فضة ، فما فوقها . فقصدت صاحب الدّيوان بسرّ من رأى ، وكان صديقي ، فلمّا رآني سرّ بإطلاقي وتوجّع لي من سوء حالي ، وعرض عليّ مالا . فقلت : بل تتفضّل بتصريفي « 12 » في شيء أستتر بجاريه « 13 » . فقلّدني عملا بنواحي ديار ربيعة « 14 » ، فاقترضت من التّجار لما سمعوا بخبر ولايتي ، ما تحمّلت به إلى العمل ، وخرجت . وكان في ضياع عملي ، ضيعة تعرف بكراثا « 15 » ، فنزلت بها في بعض طوافي بالعمل ، وحصلت في دار منها ، فلمّا كان السّحر ، وجدت المستحمّ « 16 » ضيّقا غير نظيف ، فخرجت من الدّار إلى تلّ في الصّحراء ، فجلست أبول عليه . فخرج إليّ صاحب الدّار ، فقال لي : أتدري على أيّ شيء تبول ؟ قلت : على تلّ تراب . فضحك ، وقال : هذا قبر رجل يعرف بعجيف ، قائد من قوّاد السلطان ، كان قد سخط عليه ، وحمله معه مقيّدا ، فلمّا بلغ إلى هاهنا قتل ، فطرح في هذا المكان تحت حائط ، فلمّا انصرف العسكر ، طرحنا عليه الحائط ، لنواريه من الكلاب ، فهو - واللّه - تحت هذا التلّ التّراب . فعجبت من بولي خوفا منه ، ومن بولي على قبره .

--> ( 10 ) غزا المعتصم عموريّة ، في السنة 223 ( الطبري 9 / 57 ) . ( 11 ) راجع تفصيل ذلك في الطبري ( 9 / 57 - 77 ) . ( 12 ) صرّف الرجل : وجّه إليه عملا له رزق أي راتب . ( 13 ) في ظ : بجائزته ، والتصحيح من م ، ور ، وغ . ( 14 ) ديار ربيعة : ما بين الموصل إلى رأس عين ، وما بين ذلك من المدن والقرى ( معجم البلدان 2 / 637 ) . ( 15 ) كراثا : قرية من قرى الموصل ، بينها وبين جزيرة ابن عمر ( معجم البلدان 4 / 245 ) . ( 16 ) المستحمّ : كناية عن المرحاض .