القاضي التنوخي
218
الفرج بعد الشدة
أن قلّدتني عمالة همذان « 7 » ، فانتقلت منها إلى هذه المرتبة ، والأمير يحذرك الحذر كلّه وقد أقام على أنّه لا بدّ من نكبتك وإفقارك ، فللحال الّتي بيننا ، ما أقمت على الامتناع عليه من هذا ، وسألته في أمرك ، وبعد أن جرت خطوب ، تقرّر أن لا تجاوره ، وتشخص إلى بغداد ، ورضّيته بذلك ، وصرفت عنك النكبة ، وقد أمرني بإخراجك من ساعتك ، وما زلت معه حتّى استنظرته لك ثلاثة أيّام ، أوّلها يومنا هذا ، فاعمل على هذا ، وأنّك تمضي إلى بلد الأمر والنّهي فيه إلى أبي العبّاس محمّد بن عبد اللّه بن طاهر « 8 » ، وهو صديقك ، ويخدمك النّاس كلّهم ، ولا تخدم أحدا ، وتقرب من ضيعتك . فأظهرت له الشكر ، وضمنت له الخروج ، وأنا خائف منه أن يدعني حتّى أخرج آلتي وحرمي [ 111 ظ ] ثمّ يقبض على ذلك كلّه ، وينكبني . فقلت : الوجه أن تفرّق جميع مالك وحرمك والأمتعة والدوابّ ، وتودعه ثقاتك ، وإخوانك ، من وجوه قوّاد الأتراك وكتّابهم ، وتطرح الثّقل الّذي لا قيمة
--> ( 7 ) همذان : مدينة من أكبر مدن المنطقة المسمّاة : الجبل ، عذبة الماء ، طيّبة الهواء ، أرضها منبت الزعفران ، وشتاؤها مفرط البرد ( مراصد الاطلاع 3 / 1465 ) أقول : مررت بهمذان في أحد أسفاري في السنة 1955 ، وأبصرت فيها ، خارجها ، قبر الشيخ الرئيس ابن سينا رحمه اللّه ، ويسمّونه هناك : أبو عليّ ، وعلى القبر قبّة عظيمة ، نقش على دائرها من الداخل قصيدته المشهورة الّتي مطلعها : هبطت إليك من المحلّ الأرفع * ورقاء ذات تعزّز وتمنّع وحول القبّة ، بناء ضخم كثير الأبهاء والغرف ، مفروش بأفخر السجّاد الإيراني ، وقد بني مقابل الضريح ، فندق من الدرجة الأولى ، اسمه : فندق أبو علي . ( 8 ) أبو العباس محمّد بن عبد اللّه بن طاهر بن الحسين المصعبيّ ( 209 - 253 ) : أمير بغداد ، شجاع ، حازم ، من بيت مجد ورئاسة ، ولّي إمارة بغداد في عهد المتوكّل العباسيّ ، واستمرّ على إمارتها حتى مات ، وكان فاضلا ، أديبا ( القصّة 4 / 134 من نشوار المحاضرة للتنوخيّ ) ، حليما ( الطبري 9 / 338 ) قال الخطيب البغداديّ : كان مألفا لأهل العلم والأدب ( الأعلام 7 / 94 ) .