القاضي التنوخي

203

الفرج بعد الشدة

فوجدت أبي ، وأمّي ، وامرأتي ، على شفير البئر ، وقد أحضروا لي الدّواب لأركب وأنصرف إلى بلادي ، وكان أبي قد صار ملك تلك البلاد ، فلم أطعهما ، وأعلمتهما أنّ الأصوب البعثة إلى أبي الجارية ، وأمّها ، حتّى يريا ابنتهما مثلما رأيتماني . ففعلا ذلك ، ووجّها إلى أبي الجارية ، وهو صاحب البرجان ، فخرج في أهل مملكته ، حتّى عاينها ، وأقاموا عرسا جديدا ، وحدثت مهادنة بين الرّوم والبرجان جرت فيها أيمان مؤكّدة أن لا يعدو أحدهما على صاحبه ثلاثين سنة ، وصار القوم إلى بلادهم ، وصرنا إلى منازلنا . قال : ومات أبي ، فورثت البطرقة عنه ، ورزقت من بنت ملك البرجان الولد ، وأنت يا عربي ، فإن كان الغمّ قد بلغ منك إلى ما ذكرت فقد جاءك الفرج . فما انقضى كلام البطريق ، حتّى دخل عليه رسول ملك الرّوم يدعوه ، فمضى إليه ، ثمّ عاد إليّ ، فقال : يا عربيّ ، قد جاءك الفرج ، كنت عند الملك ، وقد جرى ذكر العرب ، ورمتهم البطارقة عن قوس واحدة ، فذكروا أنّهم لا عقول لهم ولا آداب ، وأنّ قهرهم الرّوم بالغلبة والاتّفاق ، لا بحسن التدبير . فأعلمت الملك أنّ الامر بخلاف ما قالوا ، فإنّ للعرب آدابا ، وأذهانا ، وتدبيرا جيّدا . فقال لي الملك : أنت لمحبّتك لضيفك العربي تفرط في إعطاء العرب ما ليس لها ، وتصفها بما ليس فيها . فقلت : إن رأى الملك أن يأذن في إحضار هذا العربي ، ليجمع بينه وبين هؤلاء المتكلّمين ، ليعرف فضيلته ، فأمرني بحملك إليه . فقلت : بئس ما صنعت بي ، لأنّي أخاف إن غلبني أصحابه أن يستخفّ بي ، وإن غلبتهم أن يضطغن عليّ . فقال : هذه صفة العامّة ، والملوك على خلافها ، وأنا أخبرك أنّك إن