القاضي التنوخي
200
الفرج بعد الشدة
فقال : لست أحتاج إلى كشف أمرك برسول أرسله ليعرف خبرك ، ولكن لي أشياء أمتحنك بها ، فأعرف صدقك من كذبك ، فدعوته إلى كشفها بما شاء . فدعا بدابّة ، ولبد ، وسرج ، ولجام ، فأمرني بتناول الدّابة ، فأخذت الدّابة من يد السائس ، ثمّ أمرني بأخذ اللّبد ، فأخذته ، ثمّ أمرني بإلقائه على الدّابة ، ففعلت ما أمرني به ، ثمّ أمرني بتناول السرج ، فأخذته ، ثمّ أمرني بشدّ الحزام ، والثفر « 24 » ، واللبب « 25 » ، وأخذ اللّجام وإلجام الدابّة ، ففعلت ذلك ، ثمّ أمرني بركوب الدابّة ، فركبت ، وأمرني بالسّير فسرت ، وأمرني بالإقبال والإدبار ، ففعلت ، ثمّ أمرني بالنزول ، فنزلت . فقال ، عند ذلك : أشهد أنّه ابن ملك الرّوم ، لأنّه أخذ الدابّة أخذ ملك ، وعمل سائر الأشياء مثلما تعمله الملوك ، فاشهدوا أنّي قد زوّجته ابنتي . فلمّا قالوا شهدنا ، قال : لا تشهدوا . فلمّا سمعت قوله : لا تشهدوا ، تخوّفت أن يأتي على نفسي . ثمّ قال لي : لم أتوقّف عن الشّهادة رغبة عنك ، ولكنّا لنا شرط لا نقدر أن نخالفه ، ولم نأمن أن تضطرّ إليه ، فنحملك على شرطنا ، وهو ما لم نخبرك به ، ونوقفك عليه ، فنكون قد ظلمناك ، أو ندع لك سنّة بلدنا ، فنكون قد فارقنا سنّتنا ، إنّ سنّتنا يا روميّ ، أن لا نفرّق بين الزوجين إذا مات أحدهما ، فإن مات الرّجل قبل المرأة ، نوّمناها معه في نعشه ، وحملناهما معا ، حتّى ننزلهما إلى بئر هي مأوى موتانا ، وجعلنا معهما طعاما وشرابا لثلاثة أيّام ، ثمّ أنزلناهما إلى البئر ، فإذا صارا إلى قرارها سيّبنا الحبال عليهما ، وكذلك إن ماتت [ 142 غ ] المرأة قبل الرّجل ، جعلناها في سريرها ، وجعلنا زوجها معها ، وصيّرناهما جميعا في البئر ، فإن رضيت بهذه السنّة فبارك اللّه لك في زوجك ، وإن لم ترض
--> ( 24 ) الثفر : سير من الجلد في مؤخّر السرج ، ويسمى عند عامّة بغداد الآن : تفر ، بضم التاء وفتح الفاء . ( 25 ) اللبب : ما يشدّ من سير السرج في صدر الدابّة ليمنع استئخار السرج .