القاضي التنوخي
178
الفرج بعد الشدة
وقلت لهم : إنّ في هذا البيت فارا « 13 » قد آذوني ، ويقذرونني إذا قربوا منّي ، فاقطعوا لي جريدة من النخل أطردهم بها . فقطعوا لي من بعض نخل البستان ، جريدة ، فرموا بها إليّ ، وكنت لا أزال أضرب بها في البيت ، أريهم أنّي أطرد الفار ، وأسمعهم صوتها أيّاما ، ثمّ قشرت الخوص عنها ، وقطعتها على مقدار ما ظننت أنّه يعترض في ذلك [ 105 م ] الخلاء إذا رميت بها ، فضممت ما قطعته منها بعضه إلى بعض ، وقصصت اللبد ، وفتلت منه حبلا ، على ما كنت أرى يعمل بغرش ، ثمّ شددت ما قطعته من الجريدة في رأس الحبل ، ثمّ رميت به في الكوّة ، وعالجته مرارا حتّى اعترض فيها ، ثمّ اعتمدت عليها وصعدت إلى الغرفة ، ومن الغرفة إلى السطح ، ففعلت ذلك مرارا ، في أيّام كثيرة ، وتمكّنت من الحركة لأنّي بردت « 14 » بجانب المقراض إحدى حلقتي القيد ، ولم يمكنني أن أبرد « 15 » الأخرى ، فكنت إذا أردت الحركة ، شددت القيد مع ساقي ، وأتحرّك ، وقد صرت مطلقا . فلمّا كان في هذه اللّيلة وقد شغل النّاس بالعيد وانصرف من كان على الباب من الموكّلين ، فلم أحسّ منهم أحدا إلّا شيخا واحدا كنت أسمع كلامه وحركته ، وأطّلع فأراه . فصعدت بين العشاءين « 16 » إلى الغرفة ، ومن الغرفة إلى السطح ، فأشرفت ، [ 101 ظ ] فإذا المعتصم يفطر والنّاس بين يديه ، والشموع تزهر ، فرجعت . فلمّا كان في جوف اللّيل صعدت والنّاس نيام ، ونزلت إلى البستان ، فإذا فيه قائد ومعه جماعة ، فصاح بي بعضهم : من أنت ؟
--> ( 13 ) الفار : اسم جمع ، واحدته : فارة . ( 14 ) في غ وم : سحلت . ( 15 ) في غ وم : أسحل . ( 16 ) في غ وم : بين المغرب والعشاء .