القاضي التنوخي

176

الفرج بعد الشدة

حدّثت أنّ المعتصم أمر أن يبنى حبس في بستان موسى ، كان القيّم به مسرور مولى الرّشيد . قال : وكنت أرى أعلى هذا البناء من دجلة إذا ركبتها ، إذ كان كالبئر العظيمة ، قد حفرت إلى الماء ، أو قريب منه ، ثمّ بني فيها بناء على هيأة المنارة ، مجوّف من باطنه ، وهو من داخله مدرّج ، قد حفر فيه ، في مواضع من التدريج ، مستراحات ، وبني في كلّ مستراح شبيها بالبيت ، يجلس فيه رجل واحد ، كأنّه على مقداره ، يكون مكبوبا على وجهه ، لا يمكنه أن يجلس فيه ، ولا يمدّ رجليه « 7 » ، فلمّا قدم محمّد ، حبس في بيت في أسفل ذلك الحبس ، فلمّا استقرّ فيه أصابه من الجهد لضيقه ، وظلمته ، ومن البرد أمر عظيم ، لنداوة الموضع ورطوبته ، فكاد أن يتلف من ساعته . فتكلّم بكلام دقيق سمعه من كان في أعالي البئر ممّن وكّل بالموضع ، فقال : إن كان أمير المؤمنين يريد قتلي ، فالسّاعة أموت ، وإن لم يكن يريد قتلي فقد أشفيت عليه . فأخبر المعتصم بذلك ، فقال : ما أريد [ 134 غ ] قتله ، وأمر بإخراجه . فأخرج وقد زال عقله ، وأغمي عليه ، فطرح في الشّمس ، وطرحت عليه اللّحف ، وأمر بحبسه في بيت كان قد بني في البستان ، فوقه غرقة ، وكان في

--> ( 7 ) الحجر في الحبوس الضيّقة ، من جملة العذاب الذي كان الناس يعذّبون به ، وقد أسلفنا وصف حبس الحجّاج في حاشية القصّة 67 من هذا الكتاب ، كما وصفنا كيفيّة معاملة المنصور لآل الحسن في سجنه ، في القصّة 318 من هذا الكتاب ، وفي القصّة 204 من الكتاب ، إنّ مطبق المهديّ ، كان من الظلمة بحيث أنّ وزيره يعقوب بن داود عمي وهو فيه ، وحبس الرشيد أبا العتاهية في بيت سعته خمسة أشبار في مثلها ( الأغاني 4 / 64 ) وحبس المعتصم الأفشين ، في بناء كالمنارة ، في وسطها مقدار مجلس رجل واحد ( العيون والحدائق 405 ) ، وحبس المتوكّل وزيره ابن الزيات في تنور من الخشب فيه مسامير من حديد تمنعه من الجلوس ( الطبري 9 / 159 ) ، راجع بحث « المطبق » وبحث « المطمورة » في حاشية القصّة 183 من هذا الكتاب ، وبحث « العذاب » في حاشية القصّة 358 من هذا الكتاب .