القاضي التنوخي
129
الفرج بعد الشدة
فإنّ كثيرا من النّاس خانوا السلطان ، وتمتّعوا بالأموال ، ثمّ طولبوا بها ، فاحتيل عليهم ، أن يتلفوا ، ويفوز بالأموال غيرهم . قال الفضل : وإنّما أردت بذلك تسكين غضب المأمون عليّ ، ولم أعرض الرقعة عليه ، ولا أعملته ما جرى بيني وبين عمرو ، لأنّي لم آمن سورته « 7 » في ذلك الوقت ، لاشتداد غضبه . فقال لي : سلّم عمرا إلى محمّد بن يزداد ، [ 91 ظ ] قال : فوجّهت من ساعتي ، من سلّم عمرا إلى محمّد بن يزداد ، فلم يزل يعذّبه بأنواع العذاب ، ليبذل له شيئا ، فلم يفعل . فلمّا رأى أصحابه وعمّاله ، ما قد ناله ، جمعوا له بينهم ثلاثة آلاف ألف درهم ، وسألوا عمرا أن يبذلها لمحمّد بن يزداد ، فبذلها ، فصار محمّد إلى المأمون متبجّحا « 8 » بها ، فأوصل الخطّ بها إلى المأمون ، وأنا واقف . فقال المأمون : يا فضل ، ألم أعلمك ، أنّ غيرك أقوم بأمورنا منك ، وأطوع لما نأمره به ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أرجو أن أكون في حال استبطاء أمير المؤمنين أعزّه اللّه ، أبلغ في طاعته من غيري . فقال المأمون : هذه رقعة [ 93 م ] عمرو بن بهنوى بثلاثة آلاف ألف درهم . فقلت ، وما اجترأت عليه قطّ ، جرأتي عليه في ذلك اليوم ، فإنّي خرجت إلى إضبارة كانت مع غلامي ، فأخذت الرقعة منها مسرعا ، وقلت : واللّه ، لأعلمنّ أمير المؤمنين ، أنّي مع رفقي ، أبلغ في حياطة أمواله من غيري مع غلظته ، وأريته رقعة عمرو الّتي كان كتبها لي ، وحدّثته بحديثه عن آخره .
--> ( 7 ) السورة : الحدّة . ( 8 ) تبجّح وتباجح : افتخر وتباهى .