القاضي التنوخي
68
الفرج بعد الشدة
أَنْ [ 7 م ] يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا ، إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ، وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ، وَتَرَكْنا [ 7 غ ] عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ « 5 » . فلا بلاء أعظم من بلاء يشهد اللّه تعالى أنّه بلاء مبين ، وهو تكليف الإنسان ، أن يجعل بسبيل الذبح ابنه ، وتكليفه ، وتكليف المذبوح ، أن يؤمنا ويصبرا ، ويسلّما ويحتسبا ، فلما أدّيا ما كلّفا من ذلك ، وعلم اللّه عزّ وجلّ منهما صدق الإيمان ، والصبر والتسليم والإذعان ، فدى الابن بذبح عظيم وجازى الأب بابن آخر على صبره ، ورضاه بذبح ابنه الذي لم يكن له غيره ، قال اللّه عزّ وجل : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ، إلى قوله : لِنَفْسِهِ مُبِينٌ « 6 » ، وخلّصهما بصبرهما وتسليمهما من تلك الشدائد الهائلة . وقد ذهب قوم إلى أنّ إبراهيم إنّما كلّف ذبح ابنه في الحقيقة ، لا على ما ذهب إليه من ذلك أنّ الذي كلّفه أن يجعل ابنه بسبيل الذبح ، لا أن يذبحه في الحقيقة ، واستدلّ الحسن البصريّ على أنّ إسماعيل هو الذبيح ، لا إسحاق ، وأنّ المأمور به كان الذبح في الحقيقة ، بقوله تعالى : فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ ، وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ « 7 » ، فحصلت لإبراهيم البشرى ، بأنّه سيرزق إسحاق ، وأنّ إسحاق سيرزق يعقوب ، ولا يجوز للنبيّ أن يشكّ في بشارة اللّه تعالى ، فلو كان إسحاق هو الذبيح ، ما صحّ أن يأمره بذبحه قبل خروج يعقوب من ظهره ، لأنّه كان إذا أمر بذلك ، علم أنّ البشرى الأوّلة « 8 » ، تمنع من ذبح إسحاق
--> ( 5 ) 101 - 108 ك الصافات 37 . ( 6 ) تمام الآية : وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ، وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ ، وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ 112 و 113 ك الصافات 37 . ( 7 ) 71 ك هود 11 . ( 8 ) الأوّلة : تعبير بغدادي ، بمعنى الأولى ، أما التعبير البغدادي الآن ، فهو : الأوليّة ، أو : الأولانيّة .