القاضي التنوخي
104
الفرج بعد الشدة
أنفسهم حولي ، وورد عليّ همّ عظيم ، لأنّني قلت : ما تجاسر على أن يوكّل بي إلّا وقد وقف على سوء رأي فيّ من المعتصم . فإنّي لجالس ، وذقني على يدي ، وقد مضى الليل ، وأنا متفكّر ، فحملتني عيناي ، فرأيت كأنّ شخصا قد مثل بين يديّ ، وهو يقول : قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً ، لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ « 8 » . ثم انتبهت ، فإذا أنا بمشعل « 9 » قد أقبل من بعيد ، فلما قرب منّي كان وراءه [ محمد بن ] حماد دنقش « 10 » صاحب الحرس ، وقد أنكر نفّاطتي ، فجاء يعرف
--> وما كنت أخشى لو وليت مكانه * عليّ أبا العبّاس أن تتغيّرا دع الكبر واستبق التواضع إنّه * قبيح بوالي النّفط أن يتكبّرا لحفظ عيون النّفط أظهرت نخوة * فكيف به لو كان مسكا وعنبرا ( 8 ) 64 ك الأنعام 6 . ( 9 ) المشعل ، وجمعه مشاعل : ما يشعل من الحطب فيستضاء به ، ويحمل بالأيدي ، والبغداديّون يطلقون كلمة ( المشعل ) على أداة تشتمل على لفّة من الخيش تسمّى : كبيرة ، وجمعها كبائر ، توضع على رأس عمود ثم يصب عليها النّفط وتشعل ، وتختلف قوّة إضاءة المشعل باختلاف عدد رءوسه ، وقد شاهدت في بغداد مشاعل للواحد منها أكثر من عشرة رؤوس ، يحملها شخص واحد ، وفي بغداد يسمّون الصّبي : مشعل ، ويصفون الجميل الوجه بأنّه مشعل ، ومن الأغنيات القديمة في بغداد ، أغنية قيلت في حمد الحمود شيخ الخزاعل ( أمير خزاعة ) الذي حارب الحكومة العثمانية ، ثم اصطلحا ، فقدم بغداد مع حاشيته ، وكان شابا ما نبت عذاره ، فأعجب به البغداديّون ، ونظموا فيه أغنية تقول : حمد الحمود * شيخ الخزاعل خدودك اللالات ربعك مشاعل اللالات : جمع لالة : أي المصباح الساطع النور ، والربع : بفتح الراء ، الأصحاب والجماعة ، فصيحة . ( 10 ) محمّد بن حماد دنقش : كان أبوه حمّاد الملقب دنقش مولى المنصور ، وصاحب حرسه ( تاريخ -