ابن حبان

46

روضة العقلاء

ومن جهة أخرى : لا يجوز الاحتجاج به ؛ لأنه كان داعيا إلى الإرجاء ، والدّاعية إلى البدع لا يجوز أن يحتج به أئمّتنا قاطبة ، لا أعلم بينهم فيه خلافا على أن أئمة المسلمين وأهل الورع في الدين في جميع الأمصار وسائر الأقطار جرحوه ، وأطلقوا عليه القدح ، إلا الواحد بعد الواحد ، قد ذكرنا ما روي فيه من ذلك في كتاب التنبيه على التمويه . فأغنى ذلك عن تكرارها في هذا الكتاب ، غير أني أذكر منها جملا يستدلّ بها على ما وراءها . أقول : ولعلّ ضياع كتبه رحمه اللّه بسبب أقواله هذه عن أبي حنيفة رحمه اللّه ؛ لأن سكّان تلك المناطق كانوا على مذهب الإمام أبي حنيفة ، من تعصّب جاهل ، أو صاحب فتنة ، أو غيرها من الأسباب . واللّه أعلم . رحلاته العلميّة : عرف تاريخنا الإسلامي بالرحلة لطلب العلم ، وقلّما نجد عالما من علمائنا الأقدمين إلا طوّف البلدان للاستزادة من العلم ، واستفادة الفوائد ولو قلّت . فقد قصد ابن حبان أجلّة العلماء في زمانه في قراهم ومدنهم القريبة والبعيدة . فتطلّب ذلك منه - وهو صاحب الهمّة العالية - أن يرحل إلى أكثر من أربعين بلدا من بلدان العالم الإسلامي ، وشملت رحلته : سجستان ، وهراة ، ومرو ، وسنج ، والصّغد ، والشاش ، وبخارى ونسا ، ونيسابور ، وأرغيان ، وجرجان ، والرّيّ « طهران » ، والكرج ، وعسكر مكرم ، وتستر ، والأهواز ، والأبلّة ، والبصرة ، وواسط ، وفم الصّلح ، وبغداد ، والكوفة ، ومكّة ، وسامرّا ، والموصل ، وسنجار ، ونصيبين ، وحرّان ، وكفرتوثا ، وسرغا مرطا ، والرافقة ، والرّقّة ، ومنبج ، وحلب ، والمصيصة ، وأنطاكية ، وطرسوس ، وأذنة ، وحمص ، وحماة ، ودمشق ، وبيروت ، وصيدا ، وصور ، والرّملة ، وعسقلان ، وبيت المقدس ، وطبرية ، ومصر ، وغيرها . وبلغ مجموع شيوخه في هذه الرحلة أكثر من ألفي شيخ ، حيث قال في مقدّمته للتقاسيم والأنواع : لعلّنا قد كتبنا عن أكثر من ألفي شيخ من الشاش إلى الإسكندرية .