ابن المقفع
97
آثار ابن المقفع
لن يدركها إلا بأربعة أشياء . أما الثلاثة التي يطلب : فالسعة في الرزق ، والمنزلة في الناس ، والزاد للآخرة . وأما الأربعة التي يحتاج إليها في درك « 1 » هذه الثلاثة : فاكتساب المال من أحسن وجه يكون ، ثم حسن القيام « 2 » على ما اكتسب منه ، ثم استثماره ، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والإخوان فيعود عليه نفعه في الآخرة . فمن ضيع شيئا من هذه الأحوال لم يدرك ما أراد من حاجته ، لأنه إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به . وإن هو كان ذا مال واكتساب ثم لم يحسن القيام عليه أوشك المال أن يفنى ويبقى معدما . وإن هو وضعه ولم يستثمره لم تمنعه قلة الإنفاق من سرعة الذهاب كالكحل الذي لا يؤخذ منه إلا غبار الميل ، ثم هو مع ذلك سريع فناؤه . وإن هو أنفقه في غير وجهه ووضعه في غير موضعه وأخطأ به مواضع استحقاقه صار بمنزلة الفقير الذي لا مال له . ثم لم يمنع ذلك أيضا ماله من التلف بالحوادث والعلل التي تجري عليه ، كمحبس الماء الذي لا تزال المياه تنصب فيه ، فإن لم يكن له مخرج ومفاض « 3 » ومتنفس يخرج منه الماء بقدر ما ينبغي ، خرب وسال ونز من نواح كثيرة وربما انبثق « 4 » البثق العظيم فذهب الماء ضياعا . وإن بني الشيخ اتعظوا بقول أبيهم وأخذوا به وعلموا أن فيه الخير وعولوا عليه . فانطلق أكبرهم نحو أرض يقال لها ( ميّون ) فأتى في طريقه على مكان فيه وحل كثير ، وكان معه عجلة يجرها ثوران يقال لأحدهما : شتربه ، وللآخر : بندبة . فوحل « 5 » شتربة في ذلك المكان فعالجه الرجل وأصحابه حتى بلغ منهم الجهد ، فلم يقدروا على إخراجه ، فذهب الرجل
--> ( 1 ) درك : الوصول . ( 2 ) حسن القيام : التدبير والسياسة . ( 3 ) مفاض : مكان يفيض منه . ( 4 ) انبثق : انثغر وانفجر . ( 5 ) وحل : غاص في الوحل أي طين الأرض .